الصفحة 107 من 148

وفي الصحيحين عن أنس: أن نفرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فقال بعضهم: أما أنا فأصوم لا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم لا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا /فلا آكل اللحم. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما بال أقوام يقولون: كذا، وكذا، لكني أصلي، وأنام، وأصوم، وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني) .

وفي الصحاح من غير وجه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه كان قد جعل يصوم النهار، ويقوم الليل، ويقرأ القرآن في كل ثلاث، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: (لا تفعل، فإنك إذا فعلت ذلك هَجَمَتْ له العينُ، ونَفِهَتْ له النَّفسُ) أي: غارت العين وملت النفس، وسئمت. وقال له: (إن لنفْسِك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزَوْرِكَ عليك حقا فآت كل ذي حق حقه) .

فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن عليك أمورًا واجبة من حق النفس، والأهل، والزائرين، فليس لك أن تفعل ما يشغلك عن أداء هذه الحقوق الواجبة، بل آت كل ذي حقه حقه. ثم أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وقال: (إنه يعدل صيام الدهر) وأمره أن يقرأ القرآن في كل شهر مرة، فقال: إني أطيق أفضل من ذلك، ولم يزل يزايده، حتى قال: (فصم يوما، وأفطر يوما، فإن ذلك أفضل الصيام) قال: إني أطيق أفضل /من ذلك، قال: (لا أفضل من ذلك) .

وكان عبد الله بن عمرو لما كبر يقول: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ربما عجز عن صوم يوم، وفطر يوم، فكان يفطر أيامًا، ثم يسرد الصيام أيامًا بقدرها، لئلا يفارق النبي صلى الله عليه وسلم على حال ثم ينتقل عنها؛ وهذا لأن بدنه كان يتحمل ذلك، وإلا فمن الناس من إذا صام يوما، وأفطر يوما، شغله عما هو أفضل من ذلك، فلا يكون الصوم أفضل في حقه.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم هكذا، فإنه كان أفضل من صوم داود، ومع هذا، فقد ثبت عنه في الصحيح أنه سئل عمن يصوم الدهر فقال: (من صام الدهر فلا صام، ولا أفطر) ، وسئل عمن يصوم يومين، ويفطر يوما، فقال: (ومن يطيق ذلك) ، وسئل عمن يصوم يوما، ويفطر يومين، فقال: (وددت أني طوقت ذلك) ، وسئل عمن يصوم يوما ويفطر يوما، فقال: (ذلك أفضل الصيام) ،فأخبر أنه ود أن يطيق صوم ثلث الدهر؛ لأنه كان له من الأعمال التي هي أوجب عليه، وأحب إلى الله ما لا يطيق معه صوم ثلث الدهر.

وكذلك ثبت عنه في الصحيح: أنه لما قرب من العدو في غزوة الفتح /في رمضان، أمر أصحابه بالفطر، فبلغه أن قوما صاموا فقال: (أولئك العصاة) وصلى على ظهر دابته مرة، وأمر من معه أن يصلوا على ظهور دوابهم، فوثب رجل عن ظهر دابته فصلى على الأرض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مخالف، خالف الله به) فلم يمت حتى ارتد عن الإسلام. وقال ابن مسعود: إني إذا صمت ضعفت عن قراءة القرآن، وقراءة القرآن أحب إلىَّ. وهذا باب واسع قد بسط في غير هذا الموضع.

وأما الأصل الثاني: وهو أنه إذا عاهد الله على ذلك ونذره، فالأصل فيه ما أخرجا في الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) فإذا كان المنذور الذي عاهد الله يتضمن ضررا غير مباح، يفضي إلى ترك واجب، أو فعل محرم؛ كان هذا معصية لا يجب الوفاء به، بل لو نذر عبادة مكروهة مثل قيام الليل كله، وصيام النهار كله، لم يجب الوفاء بهذا النذر.

ثم تنازع العلماء: هل عليه كفارة يمين؟ على قولين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت