فهرس الكتاب
أظهرهما: أن عليه كفارة يمين؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم / في الصحيح أنه قال: (كَفَّارة النَّذْر كَفَّارةُ اليمين) وقال: (النذر حلفة) وفي السنن عنه: (لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين) ، وقد ذكرنا سبب نزول الآية.
ومثل ذلك ما رواه البخاري في صحيحه، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا قائمًا في الشمس، فقال: (ما هذا؟) فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم، ولا يستظل، ولا يتكلم، وأن يصوم. فقال: (مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه) ، فلما نذر عبادة غير مشروعة من الصمت والقيام والتضحية أمره بفعل المشروع وهو الصوم في حقه، ونهاه عن فعل غير المشروع.
وأما إذا عجز عن فعل المنذور، أو كان عليه فيه مشقة، فهنا يكفر، ويأتي ببدل عن المنذور، كما في حديث عقبة بن عامر: أن أخته لما نذرت أن تحج ماشية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لغني عن تعذيب أختك نفسها، مرها فلتركب ولتهد) وروي: (ولتصم) .
فهذا الرجل الذي عقد مع الله ـ تعالى ـ صوم نصف الدهر، وقد أضر ذلك بعقله، وبدنه عليه أن يفطر ويتناول ما يصلح عقله وبدنه، ويكفر كفارة يمين، ويكون فطره قدر ما يصلح به عقله وبدنه،/على حسب ما يحتمله حاله إما أن يفطر ثلثي الدهر، أو ثلاثة أرباعه، أو جميعه، فإذا أصلح حاله، فإن أمكنه العود إلى صوم يوم، وفطر يوم بلا مضرة، وإلا صام ما ينفعه من الصوم، ولا يشغله عما هو أحب إلى الله منه، فالله لا يحب أن يترك الأحب إليه بفعل ما هو دونه، فكيف يوجب ذلك؟!
وأما النور الذي وجده بهذا الصوم، فمعلوم أن جنس العبادات ليس شرًا محضًا، بل العبادات المنهي عنها تشتمل على منفعة ومضرة، ولكن لما ترجح ضررها على نفعها نهى عنها الشارع، كما نهى عن صيام الدهر، وقيام الليل كله دائما، وعن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر، مع أن خلقا يجدون في المواصلة الدائمة نورا بسبب كثرة الجوع، وذلك من جنس ما يجده الكفار من أهل الكتاب والأميين، مثل الرهبان، وعباد القبور، لكن يعود ذلك الجوع المفرط الزائد على الحد المشروع يوجب لهم ضررا في الدنيا والآخرة، فيكون إثمه أكثر من نفعه، كما قد رأينا من هؤلاء خلقا كثيرا آل بهم الإفراط فيما يعانونه من شدائد الأعمال إلى التفريط والتثبيط، والملل والبطالة، وربما انقطعوا عن الله بالكلية، أو بالأعمال المرجوحة عن الراجحة، أو بذهاب العقل بالكلية، أو بحصول خلل فيه؛ وذلك لأن أصل أعمالهم وأساسها على غير استقامة ومتابعة.
/وأما قوله: أريد أن أقتل نفسي في اللّه. فهذا كلام مجمل، فإنه إذا فعل ما أمره اللّه
به، فأفضى ذلك إلى قتل نفسه، فهذا محسن في ذلك، كالذي يحمل على الصف وحده حملًا فيه منفعة للمسلمين، وقد اعتقد أنه يُقتل، فهذا حسن. وفي مثله أنزل اللّه قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] ، ومثل ما كان بعض الصحابة ينغمس في العدو بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روى الخَلاَّلُ بإسناده عن عمر بن الخطاب: أن رجلًا حمل على العدو وحده، فقال الناس: ألقى بيده إلى التهلكة. فقال عمر: لا، ولكنه ممن قال اللّه فيه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} .
وأما إذا فعل ما لم يؤمر به، حتى أهلك نفسه، فهذا ظالم متعدٍ بذلك، مثل أن يغتسل من الجنابة في البرد الشديد بماء بارد يغلب على ظنه أنه يقتله، أو يصوم في رمضان صومًا يفضي إلى هلاكه، فهذا لا يجوز، فكيف في غير رمضان؟!