فهرس الكتاب
وقد روى أبو داود في سننه، في قصة الرجل الذي أصابته جراحة، فاستفتى من كان معه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: لا نجد لك رخصة، فاغتسل، فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: / (قَتَلوه، قتلهم اللّه، هَلا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شِفاءُ العيِّ السؤال)
وكذلك روى حديث عمرو بن العاص، لما أصابته الجنابة في غزوة ذات السلاسل، وكانت ليلة باردة فتيمم، وصلى بأصحابه بالتيمم، ولما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ياعمرو، أصليت بأصحابك، وأنت جنب؟) فقال: يارسول اللّه، إني سمعت اللّه يقول: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء: 29] فضحك، ولم يقل شيئًا. فهذا عمرو قد ذكر أن العبادة المفضية إلى قتل النفس بلا مصلحة مأمور بها، هي من قتل النفس المنهي عنه، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
وقتل الإنسان نفسه حرام بالكتاب والسنة والإجماع، كما ثبت عنه في الصحاح أنه قال: (من قتل نفسه بشيء عُذب به يوم القيامة) ، وفي الحديث الآخر: (عبدي بادأني بنفسه، فحرمتُ عليه الجنة، وأوجبت له النار) ، وحديث القاتل الذي قتل نفسه لما اشتدت عليه الجراح، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أنه من أهل النار، لعلمه بسوء خاتمته، وقد كان صلى الله عليه وسلم لا يصلى على من /قتل نفسه؛ ولهذا قال سمرة بن جندب عن ابنه لما أخبر أنه بُشِمَ، فقال: لو مات لم أصل عليه.
فينبغي للمؤمن أن يفرق بين ما نهي اللّه عنه من قصد الإنسان قتل نفسه، أو تسببه في ذلك، وبين ما شرعه اللّه من بيع المؤمنين أنفسهم وأموالهم له، كما قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} [التوبة: 111] ، وقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ} [البقرة: 207] أي: يبيع نفسه.
والاعتبار في ذلك بما جاء به الكتاب والسنة، لا بما يستحسنه المرء أو يجده، أو يراه من الأمور المخالفة للكتاب والسنة، بل قد يكون أحد هؤلاء كما قال عمر بن عبد العزيز: من عَبَدَ اللّه بجهل، أفسد أكثر مما يصلح.
ومما ينبغي أن يعرف: أن اللّه ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس، وحملها على المشاق، حتى يكون العمل كلما كان أشق كان أفضل، كما يحسب كثير من الجهال أن الأجر على قدر المشقة في كل شيء، لا! ولكن الأجر على قدر منفعة العمل، ومصلحته، وفائدته،/وعلى قدر طاعة أمر اللّه ورسوله، فأي العملين كان أحسن، وصاحبه أطوع وأتبع، كان أفضل؛ فإن الأعمال لا تتفاضل بالكثرة، وإنما تتفاضل بما يحصل في القلوب حال العمل.
ولهذا لما نذرت أخت عقبة بن عامر أن تحج ماشية حافية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن اللّه لغني عن تعذيب أختك نفسها، مرها فلتركب) ، وروي: أنه أمرها بالهدى، وروي: بالصوم. وكذا حديث جويرية في تسبيحها بالحصى، أو النوى، وقد دخل عليها ضحى، ثم دخل عليها عشية، فوجدها على تلك الحال. وقوله لها: (لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لرجحت) .
وأصل ذلك: أن يعلم العبد أن اللّه لم يأمرنا إلا بما فيه صلاحنا، ولم ينهنا إلا عما فيه فسادنا؛ ولهذا يثنى اللّه على العمل الصالح، ويأمر بالصلاح والإصلاح، وينهي عن الفساد.
فاللّه ـ سبحانه ـ إنما حرم علينا الخبائث لما فيها من المضرة والفساد، وأمرنا بالأعمال الصالحة لما فيها من المنفعة والصلاح لنا. وقد لا تحصل هذه الأعمال إلا/ بمشقة، كالجهاد، والحج، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وطلب العلم، فيحتمل تلك المشقة، ويثاب عليها لما يعقبه من المنفعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة لما اعتمرت من التنعيم عام حجة الوداع: (أَجْرُكِ على قدر نَصَبك) . وأما إذا كانت فائدة العمل منفعة لا تقاوم مشقته، فهذا فساد، واللّه لا يحب الفساد.