فهرس الكتاب
ومثال ذلك منافع الدنيا، فإن من تحمل مشقة لربح كثير، أو دفع عدو عظيم، كان هذا محمودًا، وأما من تحمل كلفًا عظيمة، ومشاقًا شديدة، لتحصيل يسير من المال، أو دفع يسير من الضرر، كان بمنزلة من أعطى ألف درهم، ليعتاض بمائة درهم. أو مشى مسيرة يوم، ليتغدى غدوة يمكنه أن يتغدى خيرًا منها في بلده.
فالأمر المشروع المسنون جميعه مبناه على العدل، والاقتصاد، والتوسط الذي هو خير الأمور وأعلاها كالفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، فمن كان كذلك، فمصيره إليه إن شاء اللّه ـ تعالى.
هذا في كل عبادة لا تقصد لذاتها، مثل الجوع، والسهر، والمشي.
وأما ما يقصد لنفسه مثل معرفة اللّه، ومحبته، والإنابة إليه، /والتوكل عليه، فهذه يشرع فيها الكمال، لكن يقع فيها سرف، وعدوان، بإدخال ما ليس منها فيها، مثل أن يدخل ترك الأسباب المأمور بها في التوكل، أو يدخل استحلال المحرمات، وترك المشروعات في المحبة، فهذا هذا. واللّه ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم.
فصل
وكذلك النذر للقبور أو لأحد من أهل القبور، كالنذر لإبراهيم الخليل، أو للشيخ فلان أو فلان، أو لبعض أهل البيت، أو غيرهم: نذر معصية، لا يجب الوفاء به باتفاق أئمة الدين، بل ولا يجوز الوفاء به، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه) . وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (لعن اللّه زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج) ، فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من يبنى على القبور المساجد، ويسرج فيها السرج؛ / كالقناديل والشمع وغير ذلك.
وإذا كان هذا ملعونا، فالذى يضع فيها قناديل الذهب والفضة وشمعدان الذهب والفضة ويضعها عند القبور أولى باللعنة. فمن نذر زيتا أو شمعا، أو ذهبا، أو فضة، أو سترا، أو غير ذلك، ليجعل عند قبر نبى من الأنبياء، أو بعض الصحابة، أو القرابة، أو المشائخ، فهو نذر معصية، لا يجوز الوفاء به. وهل عليه كفارة يمين؟ فيه قولان للعلماء. وإن تصدق بما نذره على من يستحق ذلك من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم من الفقراء الصالحين، كان خيرا له عند الله وأنفع له؛ فإن هذا عمل صالح يثيبه الله عليه، فإن الله يجزى المتصدقين، ولا يضيع أجر المحسنين. والمتصدق يتصدق لوجه الله ولا يطلب أجره من المخلوقين، بل من الله تعالى، كما قال تعالى {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرضي} [الليل: 17: 21] ، وقال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} الآية [البقرة: 265] ، وقال عن عباده الصالحين: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 9] .
ولهذا لا ينبغى لأحد أن يسأل بغير الله، مثل الذى يقول: كرامة لأبى بكر، ولعلى، أو للشيخ فلان، أو الشيخ فلان، بل لا يعطى إلا من سأل /لله، وليس لأحد أن يسأل لغير الله، فإن إخلاص الدين لله واجب في جميع العبادات البدنية والمالية كالصلاة، والصدقة، والصيام، والحج فلا يصلح الركوع والسجود إلا لله ولا الصيام إلا لله، ولا الحج إلا إلى بيت الله، ولا الدعاء إلا لله، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} [الأنفال: 39] ، وقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] ، وقال تعالى: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [الزمر: 1، 2] .