الصفحة 111 من 148

وهذا هو أصل الإسلام، وهو ألا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] ، وقال تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] ، قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا على، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة والكتاب.

هذا كله لأن دين الله بلغه عنه رسوله. فلا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله، والله تعالى ذم المشركين لأنهم شرعوا /فى الدين ما لم يأذن به الله فحرموا أشياء لم يحرمها الله؛ كالبحيرة والسائبة، والوصيلة، والحام. وشرعوا دينا لم يأذن به الله؛ كدعاء غيره وعبادته، والرهبانية التى ابتدعها النصارى.

والإسلام دين الرسل كلهم أولهم وآخرهم، وكلهم بعثوا بالإسلام كما قال نوح ـ عليه السلام ـ: {يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 71، 72] ، وقال تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة: 130: 132] ، وقال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} [يونس: 84] ، وقال تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111] .

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد) . فدين الرسل كلهم دين واحد، وهو دين الإسلام، وهو عبادة الله وحده لا شريك له بما أمر به وشرعه /كما قال: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى: 13] ، وإنما يتنوع في هذا الدين الشرعة والمنهاج، كما قال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] ، كما تتنوع شريعة الرسول الواحد. فقد كان الله أمر محمدا صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام أن يصلى إلى بيت المقدس، ثم أمره في السنة الثانية من الهجرة أن يصلى إلى الكعبة البيت الحرام، وهذا في وقته كان من دين الإسلام، وكذلك شريعة التوراة في وقتها كانت من دين الإسلام، وشريعة الإنجيل في وقته كانت من دين الإسلام، ومن آمن بالتوراة ثم كذب بالإنجيل خرج من دين الإسلام وكان كافرا، وكذلك من آمن بالكتابين المتقدمين وكذب بالقرآن كان كافرا خارجا من دين الإسلام، فإن دين الإسلام يتضمن الإيمان بجميع الكتب وجميع الرسل، كما قال تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} الآية [البقرة: 136] .

فَصل

وولاة الأمر أحق الناس بنصر دين الرسول صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من الهدي ودين الحق، وبإنكار ما نهى عنه وما نسب إليه بالباطل من الكذب والبدع. إما جهلا من ناقله، وإما عمدا، فإن أصل الدين هو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ورأس المعروف هو التوحيد، ورأس المنكر هو الشرك. وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدي ودين الحق، به فرق الله بين التوحيد والشرك، وبين الحق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت