فهرس الكتاب
وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا). ولهذا قال سبحانه وتعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ} [الشعراء: 221] ، {تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء: 222] وقال: {لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} [العلق: 15] {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} [العلق: 16] . فلهذا يجب على كل ولي أمر أن يستعين بأهل الصدق والعدل وإذا تعذر ذلك استعان بالأمثل فالأمثل وإن كان فيه كذب وظلم، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم والواجب إنما هو فعل المقدور.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: أو عمر بن الخطاب: (من قلد رجلًا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله، وخان رسوله، وخان المؤمنين) .
فالواجب إنما هو الأرضى من الموجود والغالب أنه لا يوجد كامل فيفعل خير الخيرين ويدفع شر الشرين، ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يفرحون بانتصار الروم والنصارى على المجوس وكلاهما كافر، لأن أحد الصنفين أقرب إلى الإسلام، وأنزل الله في ذلك [سورة الروم] لما اقتتلت الروم وفارس، والقصة مشهورة. وكذلك يوسف كان نائبًا لفرعون مصر وهو وقومه مشركون وفعل من العدل والخير ما قدر عليه ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان.
فصل
في مراتب الذنوب
أما مراتبها في الآخرة، فله موضع غير هذا، وإنما الغرض هنا مراتبها في الدنيا ـ في الذم والعقاب. وقد ذكرت فيما قبل هذا، أن الذنوب التي فيها ظلم الغير ـ والإضرار به ـ في الدين والدنيا، أعظم عقوبة في الدنيا، مما لم يتضمن ضرر الغير، وإن كان عقوبة هذا في الآخرة أكبر، كما يعاقب ذووا الجرائم من المسلمين بما لا يعاقب به أهل الذمة من الكافرين، وإن كان الكافر أشد عذابا في الآخرة من المسلم. ويعاقب الثاني على عدالته، مثل شارب النبيذ متأولا. والبغاة المتأولين، بما لا يعاقب به الفاسق المستسر بالذنب. ويعاقب /الداعي إلى بدعة، والمظهر للمنكر، بما لا يعاقب به المنافق المستسر بنفاقه من غير دعوة للغير. فهذه أمثلة في الكافر والفاسق. وفي الفاسق والعدل، وفي المنافق والمؤمن المظهر لبدعة أو ذنب. وبينت سبب ذلك: أن عقوبة هؤلاء من باب دفع ظلم الظالمين عن الدين والدنيا، بخلاف من لم يظلم إلا نفسه، فإن عقوبته إلى ربه.
وجماع الأمر: أن الذنوب كلها ظلم، فأما ظلم العبد لنفسه فقط، أو ظلمه مع ذلك لغيره، فما كان من ظلم الغير، فلابد أن يشرع من عقوبته ما يدفع به ظلم الظالم عن الدين والدنيا، كما قال تعإلى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] . فجعل السبب المبيح لعقوبة الغير التي هي قتاله: (أنهم ظلموا) . وقال: {وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ على الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193] ، فبين أن الظالم يعتدي عليه، أي: بتجاوز الحد المطلق في حقه، وهو العقوبة، وهذا عدوان جائز، كما قال: {فَمَنِ اعْتَدَي عليكُمْ فَاعْتَدُوا عليه بِمِثْلِ مَا اعْتَدَي عليكم} [البقرة: 194] .
وقول بعضهم: إن هذا ليس بعدوان في الحقيقة، وإنما سماه عدوانا على سبيل المقابلة، كما قالوا مثل ذلك في قوله: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشوري: 40] . لا يحتاج إليه؛ فإن العدوان المطلق، هو مجاوزة الحد المطلق، وهذا لا يجوز في حقه إلا إذا اعتدي، فيتجاوز الحد في حقه بقدر تجاوزه. /والسيئة اسم لما يسوء الإنسان؛ فإن المصائب والعقوبات تسمي سيئة في غير موضع من كتاب الله تعإلى.