الصفحة 114 من 148

والظلم نوعان: تفريط في الحق، وتعد للحد. فالأول ترك ما يجب للغير مثل ترك قضاء الديون، وسائر الأمانات، وغيرها من الأموال. والثاني الاعتداء عليه، مثل القتل، وأخذ المال، وكلاهما ظلم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (مطل الغني ظلم، وإذا اتبع أحدكم على مليء فليتبع) ، فجعل مجرد المطل الذي هو تأخير الأداء مع القدرة ظلمًا، فكيف بالترك رأسًا؟ وقد قال تعإلى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَي عليكم فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَي النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَي بِالْقِسْطِ} [النساء: 127] . قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: هي إلىتيمة تكون في حجر وليها، فيريد أن يتزوجها بدون أن يقسط لها في مهرها. فسمي الله تكميل المهر قسطا، وضده الظلم.

وهذا في الجملة ظاهر، متفق عليه بين المسلمين: أن العدل قد يكون أداء واجب، وقد يكون ترك محرم، وقد يجمع الأمرين، وأن الظلم ـ أيضا ـ قد يكون ترك واجب، وقد يكون فعل محرم، وقد يجمع الأمرين. فإذا عرف هذا؛ وقد عرف أن العدل والظلم يكون /في حق نفس الإنسان، ويكون في حقوق الناس ـ كما تقدم وقد كتبت فيما تقدم من القواعد وفي آخر مسودة الفقه كلاما كليا، في أن جميع الحسنات تدخل في العدل، وجميع السيئات تدخل في الظلم، فإنه يتبين بهذا مسائل نافعة.

منها: أن أولي الأمر من المسلمين من العلماء، والأمراء، ومن يتبعهم، على كل واحد منهم حقوق للناس، هي المقصودة الواجبة منه في مرتبته، وإن لم تكن مطلوبة من غير ذلك النوع، ولا واجبة عليه؛ إذ وجوبها عليه دون ذلك. وكذلك قد تكون عليه محرمات حرمتها عليه مرتبته، وإن لم تحرم على غير أهل تلك المرتبة، أو تحريمها عليهم أخف.

مثال ذلك الجهاد، فإنه واجب على المسلمين عموما، على الكفاية منهم، وقد يجب أحيانًا على أعيانهم، لكن وجوبه على المرتزقة الذين يعطون مال الفيء لأجل الجهاد أوكد، بل هو واجب عليهم عينا، واجب بالشرع، وواجب بالعقد الذي دخلوا فيه، لما عقدوا مع ولاة الأمر عقد الطاعة في الجهاد، وواجب بالعوض، فإنه لو لم يكن واجبًا لا بشرع ولا ببيعة إمام، لوجب بالمعاوضة عليه، كما يجب العمل على الأجير الذي قبض الأجرة، ويجب تسليم المبيع على من قبض الثمن، وهذا وجوب بعقد المعاوضة، وبقبض العوض، كما أن الأول وجوب/ بالشرع، وبمجرد مبايعة الإمام، وهو واجب ـ أيضا ـ من جهة ما في تركه من تغرير المسلمين، والضرر اللاحق لهم بتركه وجوب الضمان للمضمون له.

فإن [المرتزقة] ضمنوا للمسلمين بالارتزاق الدفع عنهم، فاطمأن الناس إلى ذلك، واكتفوا بهم، وأعرضوا عن الدفع بأنفسهم، أعظم مما يطمئن الموكل والمضارب إلى وكيله وعامله، فإذا فرط بعضهم وضيع كان ذلك من أعظم الضرر على المسلمين؛ فإنهم أدخلوا الضرر العظيم على المسلمين في دينهم ودنياهم، بما تركوه من القتال عن المسلمين الواجب عليهم، حتى لحق المسلمين من الضرر في دينهم ودنياهم: في الأنفس، والذرية، والأموال، ما لا يقدر قدره أحد.

فظلم المقاتلة بترك الجهاد عن المسلمين من أعظم ظلم يكون، بخلاف ما يلحق أحدهم من الضرر، فإن ذاك ظلم لنفسه. وكذلك ما يفعله من المعصية المختصة به ـ كشرب الخمر، وفعل الفاحشة ـ فإن هذا ظلم لنفسه مختص به، فعقوبته على ترك الجهاد وذمه على ذلك أعظم بكثير من ذمه وعقوبته على ذلك.

وإذا لم يمكن جمع العقوبتين كانت العقوبة على ترك الجهاد مقدمة على العقوبة على هذه المعاصي، كما أن منفعة الجهاد له وللمسلمين قد /تكون أعظم بكثير من منفعة ردعه عن الخمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت