فهرس الكتاب
والفاحشة، إذا استسر بذلك، ولم يظلم به غيره، فيدفع هنا أعظم الفسادين باحتمال أدناهما. وفي مثل هذا قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم) . ويذم أحد هؤلاء، أو يؤجر بما فيه من عجز عن الجهاد، أو تفريط فيه، ما لا يفعل بغيره ممن ليس مرصدًا للجهاد.
وكذلك أهل العلم الذين يحفظون على الأمة الكتاب والسنة: ـ صورة ومعني ـ مع أن حفظ ذلك واجب على الأمة عمومًا على الكفاية منهم، ومنه ما يجب على أعيانهم، وهو علم العين، الذي يجب على المسلم في خاصة نفسه، لكن وجوب ذلك عينا وكفاية على أهل العلم الذين رأسوا فيه، أو رزقوا عليه، أعظم من وجوبه على غيرهم؛ لأنه واجب بالشرع عموما. وقد يتعين عليهم لقدرتهم عليه وعجز غيرهم، ويدخل في القدرة استعداد العقل، وسابقة الطلب، ومعرفة الطرق الموصلة إليه، من الكتب المصنفة، والعلماء المتقدمين، وسائر الأدلة المتعددة، والتفرغ له عما يشغل به غيرهم.
ولهذا مضت السنة بأن الشروع في العلم والجهاد يلزم، كالشروع في الحج، يعني أن ما حفظه من علم الدين، وعلم الجهاد ليس له/ إضاعته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ القرآن ثم نسيه، لقي الله وهو أجذم) . رواه أبو داود. وقال: (عرضت على أعمال أمتى ـ حسنها وسيئها ـ فرأيت في مساوئ أعمالها، الرجل يؤتيه الله آية من القرآن ثم ينام عنها حتى ينساها) . وقال: (من تعلم الرمي ثم نسيه، فليس منا) . رواه مسلم.
وكذلك الشروع في عمل الجهاد، فإن المسلمين إذا صافوا عدوا، أو حاصروا حصنا، ليس لهم الانصراف عنه حتى يفتحوه؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه) .
فالمرصدون للعلم، عليهم للأمة حفظ علم الدين، وتبليغه. فإذا لم يبلغوهم علم الدين، أو ضيعوا حفظه، كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين؛ ولهذا قال تعإلى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَي مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159] ، فإن ضرر كتمانهم تعدي إلى البهائم، وغيرها، فلعنهم اللاعنون، حتى البهائم.
كما أن معلم الخير يصلي عليه الله وملائكته، ويستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في جوف البحر، والطير في جو السماء.
/وكذلك كذبهم في العلم من أعظم الظلم. وكذلك إظهارهم للمعاصي والبدع التي تمنع الثقة بأقوالهم، وتصرف القلوب عن اتباعهم، وتقتضي متابعة الناس لهم فيها، هي من أعظم الظلم، ويستحقون من الذم والعقوبة عليها ما لا يستحقه من أظهر الكذب والمعاصي والبدع من غيرهم؛ لأن إظهار غير العالم ـ وإن كان فيه نوع ضرر ـ فليس هو مثل العالم في الضرر الذي يمنع ظهور الحق، ويوجب ظهور الباطل، فإن إظهار هؤلاء للفجور والبدع بمنزلة إعراض المقاتلة عن الجهاد، ودفع العدو، ليس هو مثل إعراض آحاد المقاتلة، لما في ذلك من الضرر العظيم على المسلمين.
فترك أهل العلم لتبليغ الدين، كترك أهل القتال للجهاد، وترك أهل القتال للقتال الواجب عليهم، كترك أهل العلم للتبليغ الواجب عليهم، كلاهما ذنب عظيم وليس هو مثل ترك ما تحتاج الأمة إليه، مما هو مفوض إليهم، فإن ترك هذا أعظم من ترك أداء المال الواجب إلى مستحقه. وما يظهرونه من البدع والمعاصي التي تمنع قبول قولهم، وتدعوا النفوس إلى موافقتهم، وتمنعهم وغيرهم من إظهار الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، أشد ضررًا للأمة وضررًا عليهم من إظهار غيرهم لذلك.