فهرس الكتاب
ولهذا جبل الله قلوب الأمة على أنها تستعظم جبن الجندي،/وفشله، وتركه للجهاد، ومعونته للعدو أكثر مما تستعظمه من غيره. وتستعظم إظهار العالم الفسوق والبدع، أكثر مما تستعظم ذلك من غيره، بخلاف فسوق الجندي وظلمه وفاحشته، وبخلاف قعود العالم عن الجهاد بالبدن.
ومثل ذلك ولاة الأمور، كل بحسبه من الوإلى والقاضي، فإن تفريط أحدهم فيما عليه رعايته من مصالح الأمة، أو فعل ضد ذلك، من العدوان عليهم، يستعظم أعظم مما يستعظم ذنب يخص أحدهم.
فصل
اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة. فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها. فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما / ضررًا فيها، فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع ـ وإن كان فيه فجور ـ على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينًا، كما سئل الإمام أحمد، عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزي؟ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف، فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) . وروي: (بأقوام لا خلاق لهم) . وإن لم يكن فاجرًا، كان أولي بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب، منذ أسلم، وقال: (إن خالدًا سيف سله الله على المشركين) . مع أنه أحيانًا قد كان يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إنه مرة قام ثم رفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد) ، لما أرسله إلى بني جذيمة فقتلهم، وأخذ أموالهم بنوع شبهة، ولم يكن يجوز ذلك، وأنكره عليه بعض من معه من الصحابة، حتى وداهم النبي صلى الله عليه وسلم وضمن أموالهم، ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب؛ لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وفعل ما فعل بنوع تأويل.
/وكان أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ أصلح منه في الأمانة والصدق، ومع هذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم) . رواه مسلم. نهى أبا ذر عن الإمارة والولاية؛ لأنه رآه ضعيفًا. مع أنه قد روي: (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر) .
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مرة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل ـ استعطافًا لأقاربه الذين بعثه إليهم ـ على من هم أفضل منه. وأمر أسامة بن زيد؛ لأجل طلب ثأر أبيه. وكذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة راجحة، مع أنه قد كان يكون مع الأمير من هو أفضل منه في العلم والإيمان.
وهكذا أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ رضي الله عنه ـ ما زال يستعمل خالدًا في حرب أهل الردة، وفي فتوح العراق والشام، وبدت منه هفوات كان له فيها تأويل، وقد ذكر له عنه أنه كان له فيها هوي، فلم يعزله من أجلها، بل عاتبه عليها؛ لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه، لأن المتولي الكبير إذا كان خلقه يميل إلى اللين، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة، وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة، فينبغي /أن يكون خلق نائبه يميل إلى اللين، ليعتدل الأمر.
ولهذا كان أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ يؤثر استنابة خالد، وكان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يؤثر عزل خالد، واستنابة أبي عبيدة بن الجراح ـ رضي الله عنه ـ لأن خالدًا كان شديدًا، كعمر بن الخطاب، وأبا عبيدة كان لينًا كأبي بكر، وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من