فهرس الكتاب
ولاه؛ ليكون أمره معتدلا، ويكون بذلك من خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو معتدل، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا نبي الرحمة، أنا نبي الملحمة) . وقال: (أنا الضحوك القتال) . وأمته وسط قال الله ـ تعإلى ـ فيهم: {أَشِدَّاء على الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: 29] ، وقال تعإلى: {أَذِلَّةٍ على الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ على الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54] .
ولهذا لما تولي أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ صارا كاملين في الولاية، واعتدل منهما ما كان ينسبان فيه إلى أحد الطرفين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم: من لين أحدهما وشدة الآخر، حتى قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) . وظهر من أبي بكر من شجاعة القلب في قتال أهل الردة وغيرهم ما برز به على عمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
وإذا كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد، قدم الأمين، مثل /حفظ الأموال ونحوها، فأما استخراجها وحفظها، فلابد فيه من قوة وأمانة، فيولي عليها شاد قوي يستخرجها بقوته، وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته. وكذلك في إمارة الحرب، إذا أمر الأمير بمشاورة أهل العلم والدين جمع بين المصلحتىن، وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد جمع بين عدد، فلابد من ترجيح الأصلح، أو تعدد المولي، إذا لم تقع الكفاية بواحد تام.
ويقدم في ولاية القضاء الأعلم الأورع الأكفأ؛ فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع قدم ـ فيما قد يظهر حكمه، ويخاف فيه الهوي ـ الأورع، وفيما يدق حكمه، ويخاف فيه الاشتباه الأعلم. ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات) .
ويقدمان على الأكفأ، إن كان القاضي مؤيدا تأييدًا تامًا، من جهة وإلى الحرب، أو العامة.
ويقدم الأكفأ إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة للقاضي، أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع؛ فإن القاضي المطلق يحتاج أن يكون عالمًا عادلًا قادرًا. بل وكذلك كل والٍ للمسلمين، فأي صفة من هذه الصفات نقصت، ظهر الخلل بسببه، والكفاءة: إما بقهر ورهبة، /وإما بإحسان ورغبة، وفي الحقيقة فلابد منهما.
وسئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من يولي القضاء إلا عالم فاسق، أو جاهل دين، فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد، قدم الدين. وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكومات، قدم العالم. وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين؛ فإن الأئمة متفقون على أنه لابد في المتولي، من أن يكون عدلا أهلا للشهادة، واختلفوا في اشتراط العلم: هل يجب أن يكون مجتهدًا، أو يجوز أن يكون مقلدًا، أو الواجب تولية الأمثل فالأمثل، كيفما تيسر؟ على ثلاثة أقوال، وبسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.
ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة، إذا كان أصلح الموجود فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال، حتى يكمل في الناس ما لابد لهم منه، من أمور الولايات والإمارات ونحوها، كما يجب على المعسر السعي في وفاء دينه، وإن كان في الحال لا يطلب منه إلا ما يقدر عليه، وكما يجب الاستعداد للجهاد، بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، بخلاف الاستطاعة في الحج ونحوها فإنه لا يجب تحصيلها؛ لأن الوجوب هنا لا يتم إلا بها.
وقال ـ قدس الله روحه:
بسم الله الرحمن الرحيم