الصفحة 140 من 148

والله المسئول أن يعين الملك على مصلحته التي هي عند الله المصلحة وأن يخير له من الأقوال ما هو خير له عند الله ويختم له بخاتمة خير. والحمد لله رب العالمين. وصلواته على أنبيائه المرسلين. ولا سيما محمد خاتم النبيين والمرسلين والسلام عليهم أجمعين.

سئل شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه ـ عن جماعة من المسلمين اشتد نكيرهم على من أكل ذبيحة يهودي أو نصراني مطلقًا، ولا يدري ما حالهم: هل دخلوا في دينهم قبل نسخه وتحريفه وقبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، أم بعد ذلك؟ بل يتناكحون وتقر مناكحتهم عند جميع الناس، وهم أهل ذمة يؤدون الجزية، ولا يعرف من هم، ولا من آباؤهم، فهل للمنكرين عليهم منعهم من الذبح للمسلمين، أم لهم الأكل من ذبائحهم، كسائر بلاد المسلمين؟

فأجاب ـ رضي الله عنه:

ليس لأحد أن ينكر على أحد أكل من ذبيحة اليهود والنصارى في هذا الزمان، ولا يحرم ذبحهم للمسلمين، ومن أنكر ذلك فهو جاهل، مخطئ، مخالف لإجماع المسلمين؛ فإن أصل هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين علماء المسلمين، ومسائل الاجتهاد لا يسوغ فيها الإنكار إلا ببيان الحجة وإيضاح المحجة، لا الإنكار المجرد المستند إلى /محض التقليد: فإن هذا فعل أهل الجهل والأهواء. كيف والقول بتحريم ذلك في هذا الزمان وقبله قول ضعيف جدًا، مخالف لما علم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما علم من حال أصحابه والتابعين لهم بإحسان؟! وذلك لأن المنكر لهذا لا يخرج عن قولين:

إما أن يكون ممن يحرم ذبائح أهل الكتاب مطلقًا، كما يقول ذلك من يقول من الرافضة. وهؤلاء يحرمون نكاح نسائهم، وأكل ذبائحهم. وهذا ليس من أقوال أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالفتيا، ولا من أقوال أتباعهم. وهو خطأ مخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم فإن الله ـ تعالى ـ قال في كتابه: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] .

فإن قيل: هذه الآية معارضة بقوله: {وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] ، وبقوله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10]

قيل: الجواب من ثلاثة أوجه:

أحدها: أن الشرك المطلق في القرآن لا يدخل فيه أهل الكتاب، إنما يدخلون في الشرك المقيد، قال تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [البينة: 1] ، فجعل المشركين قسمًا غير أهل الكتاب، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [الحج: 17] ، فجعلهم قسمًا غيرهم.

فأما دخولهم في المقيد ففي قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] فوصفهم بأنهم مشركون.

وسبب هذا أن أصل دينهم الذي أنزل الله به الكتب وأرسل به الرسل ليس فيه شرك، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] ، وقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] ، وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، ولكنهم بدلوا وغيروا فابتدعوا من الشرك ما لم ينزل به الله سلطانًا، فصار فيهم شرك باعتبار ما ابتدعوا، لا باعتبار أصل الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت