فهرس الكتاب
وقوله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10] هو تعريف الكوافر المعروفات اللاتي كن في عصم المسلمين، وأولئك كن مشركات، لا كتابيات من آل مكة، ونحوها.
/الوجه الثاني: إذا قدر أن لفظ المشركات والكوافر يعم الكتابيات، فآية المائدة خاصة ـ وهي متأخرة نزلت بعد سورة البقرة والممتحنة باتفاق العلماء، كما في الحديث: (المائدة من آخر القرآن نزولًا، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها) ـ والخاص المتأخر يقضي على العام المتقدم باتفاق علماء المسلمين، لكن الجمهور يقولون: إنه مفسر له. فتبين أن صورة التخصيص لم ترد باللفظ العام. وطائفة يقولون: إن ذلك نسخ بعد أن شرع.
الوجه الثالث: إذا فرضنا النصين خاصين، فأحد النصين حرم ذبائحهم ونكاحهم، والآخر أحلهما، فالنص المحلل لهما هنا يجب تقديمه لوجهين:
أحدهما: أن سورة المائدة هي المتأخرة باتفاق العلماء، فتكون ناسخة للنص المتقدم. ولا يقال إن هذا نسخ للحكم مرتين؛ لأن فعل ذلك قبل التحريم لم يكن بخطاب شرعي حلل ذلك، بل كان لعدم التحريم، بمنزلة شرب الخمر، وأكل الخنزير، ونحو ذلك. والتحريم المبتدأ لا يكون نسخًا لاستصحاب حكم الفعل؛ ولهذا لم يكن تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، ناسخًا لما دل عليه قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} الآية [الأنعام: 145] من أن الله ـ عز وجل ـ لم يحرم قبل نزول الآية إلا هذه الأصناف الثلاثة؛ فإن هذه الآية نفت تحريم ما سوى الثلاثة إلى حين نزول هذه الآية، ولم يثبت تحليل / ما سوى ذلك؛ بل كان ما سوى ذلك عفوًا لا تحليل فيه ولا تحريم، كفعل الصبي والمجنون. وكما في الحديث المعروف: (الحلال ما حلله الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه) وهذا محفوظ عن سلمان الفارسي موقوفًا عليه أو مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ويدل على ذلك أنه قال في سورة المائدة: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 5] فأخبر أنه أحلها ذلك اليوم، وسورة المائدة مدنية بالإجماع، وسورة الأنعام مكية بالإجماع، فعلم أن تحليل الطيبات كان بالمدينة لا بمكة، وقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4] ، {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ} إلى آخرها فثبت نكاح الكتابيات، وقبل ذلك كان إما عفوًا على الصحيح، وإما محرمًا ثم نسخ. يدل عليه أن آية المائدة لم ينسخها شيء.
الوجه الثاني: أنه قد ثبت حل طعام أهل الكتاب بالكتاب والسنة والإجماع، والكلام في نسائهم كالكلام في ذبائحهم، فإذا ثبت حل أحدهما ثبت حل الآخر، وحل أطعمتهم ليس له معارض أصلًا. ويدل على ذلك أن حذيفة بن اليمان تزوج يهودية ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فدل على أنهم كانوا مجتمعين على جواز ذلك.
/فإن قيل: قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} [المائدة: 5] ، محمول على الفواكه والحبوب، قيل: هذا خطأ؛ لوجوه:
أحدها: أن هذه مباحة من أهل الكتاب والمشركين والمجوس، فليس في تخصيصها بأهل الكتاب فائدة.
الثاني: أن إضافة الطعام إليهم يقتضي أنه صار طعامًا بفعلهم، وهذا إنما يستحق في الذبائح التي صارت لحمًا بذكاتهم. فأما الفواكه فإن الله خلقها مطعومة لم تصر طعامًا بفعل آدمي.