فهرس الكتاب
الثالث: أنه قرن حل الطعام بحل النساء، وأباح طعامنا لهم كما أباح طعامهم لنا، ومعلوم أن حكم النساء مختص بأهل الكتاب دون المشركين فكذلك حكم الطعام والفاكهة، والحب لا يختص بأهل الكتاب.
الرابع: أن لفظ الطعام عام. وتناوله اللحم ونحوه أقوى من تناوله للفاكهة، فيجب إقرار اللفظ على عمومه، لا سيما وقد قرن به قوله تعالى: {وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ} [المائدة: 5] ونحن يجوز لنا أن نطعمهم كل أنواع طعامنا، فكذلك يحل لنا أن نأكل جميع أنواع طعامهم.
وأيضًا، فقد ثبت في الصحاح، بل بالنقل المستفيض أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدت له اليهودية عام خيبر شاة مشوية، فأكل منها لقمة، ثم / قال: (إن هذه تخبرني أن فيها سما) ولولا أن ذبائحهم حلال لما تناول من تلك الشاة. وثبت في الصحيح: أنهم لما غزوا خيبر أخذ بعض الصحابة جرابا فيه شحم، قال: قلت: لا أطعم اليوم من هذا أحدًا، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، ولم ينكر عليه، وهذا مما استدل به العلماء على جواز أكل جيش المسلمين من طعام أهل الحرب قبل القسمة.
وأيضًا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة يهودي إلى خبز شعير وإهالة سنخة. رواه الإمام أحمد. و [الإهالة] من الودك الذي يكون من الذبيحة من السمن ونحوه الذي يكون في أوعيتهم التي يطبخون فيها في العادة، ولو كانت ذبائحهم محرمة لكانت أوانيهم كأواني المجوس ونحوهم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأكل في أوعيتهم حتى رخص أن يغسل.
وأيضًا، فقد استفاض أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتحوا الشام والعراق ومصر كانوا يأكلون من ذبائح أهل الكتاب ـ اليهود والنصارى ـ وإنما امتنعوا من ذبائح المجوس. ووقع في جبن المجوس من النزاع ما هو معروف بين المسلمين: لأن الجبن يحتاج إلى الأنفحة. وفي أنفحة الميتة نزاع معروف بين العلماء. فأبوحنيفة يقول بطهارتها، ومالك والشافعي يقولان بنجاستها، وعن أحمد روايتان.
فصل
المأخذ الثاني: الإنكار على من يأكل ذبائح أهل الكتاب هو كون هؤلاء الموجودين لا يعلم أنهم من ذرية من دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل وهو المأخذ الذي دل عليه كلام السائل، وهو المأخذ الذي تنازع فيه علماء المسلمين أهل السنة والجماعة. وهذا مبني على أصل، وهو أن قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] هل المراد به من هو بعد نزول القرآن متدين بدين أهل الكتاب؟ أو المراد به من كان آباؤه قد دخلوا في دين أهل الكتاب قبل النسخ والتبديل؟ على قولين للعلماء:
فالقول الأول: هو قول جمهور المسلمين من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحد القولين في مذهب أحمد، بل هو المنصوص عنه صريحًا.
الثاني: قول الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد.
وأصل هذا القول أن عليا وابن عباس تنازعا في ذبائح بني تغلب، فقال على: لا تباح ذبائحهم ولا نساؤهم؛ فإنهم لم يتمسكوا من النصرانية إلا بشرب / الخمر، وروى عنه أنه قال: نغزوهم لأنهم لم يقوموا بالشروط التي شرطها عليهم عثمان؛ فإنه شرط عليهم أن وغير ذلك من الشروط. وقال ابن عباس: بل تباح؛ لقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] وعامة المسلمين من الصحابة وغيرهم لم يحرموا ذبائحهم، ولا يعرف ذلك إلا عن على وحده، وقد روي معنى قول ابن عباس عن عمر بن الخطاب.