فهرس الكتاب
الصبي حتى يحتلم، وإن كان له فهم وتمييز، لكن ذاك لأنه لم يتم فهمه، ولأن العقل يظهر في الناس شيئًا فشيئًا، وهم يختلفون فيه، فلما كانت الحكمة خفية ومنتشرة قيدت بالبلوغ.
وكما لا يجب الحج إلا على من ملك زادًا وراحلة عند جمهور العلماء، مع إمكان المشي لما فيه من المشقة، وكما لا يجب الصوم على المسافر مع إمكانه منه تخفيفًا عليه، وكما تسقط الواجبات بالمرض الذي يخاف معه زيادة المرض وتأخر البرء، وإن كان فعلها ممكنًا.
لكن هذه المواضع هي مما تختلف فيها الشرائع، فقد يوجب اللّه في شريعة ما يشق، ويحرم ما يشق تحريمه، كالآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل، وقد يخفف في شريعة أخرى، كما قال المؤمنون: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: 286] ، وكما قال اللّه تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، وقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] ، وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28] .
/وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في قصة الأعرابي: (إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين) ، وقال لمعاذ وأبي موسى: (يسرا ولا تعسرا) ، وقال: (إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) ، وقال: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد اللّه عليكم، فإن أقوامًا شددوا على أنفسهم، فشدد اللّه عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) ، وقال: (لا رهبانية في الإسلام) ،وقال: (لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ، وقال: (إن اللّه يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتي معصيته) ، وروى عنه أنه قال: (بعثت بالحنيفية السمحة) .
وأما كون الإنسان مريدًا لما أمر به، أو كارهًا له، فهذا لا تلتفت إليه الشرائع، بل ولا أمر عاقل، بل الإنسان مأمور بمخالفة هواه.
والإرادة: هي الفارقة بين أهل الجنة وأهل النار، كما قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا. وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 18، 19] ، وقال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} [القصص: 83] ، وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} الآية [هود: 15] ، وقال تعالى: {وَلَا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] ، ونظائره كثيرة.
فإن هذه الأصول ممهدة في الكتاب والسنة، وكلام العلماء والعارفين، وليس الغرض هنا تقريرها.
وإنما الغرض شيء آخر، وهو أنه إذا كان التكليف مشروطًا بالتمكن من العلم الذي أصله العقل، وبالقدرة على الفعل فنقول: كل من هذين قد يزول بأسباب محظورة، وبأسباب غير محظورة، فإذا أزال عقله بشرب الخمر أو البنج ونحوهما لم يزل عنه بذلك، أثم بما يتركه من الواجبات ويفعله من المحرمات، إذا كان السكر يقتضي ذلك، بخلاف ما إذا زال بسبب غير محرم، كالإغماء لمرض، أو خوف، أو سكر بشرب غير محرم، مثل أن يجرع الخمر مكرهًا، فإن هذا لا إثم عليه.
وأما قضاء الصلاة عليه عند أحمد، وعند من يقول: يقضي صلاة يوم وليلة، فذاك نظير وجوب قضائها على النائم والناسي، ولا إثم عليهما، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط في اليقظة) ، وقال: (من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك) .