فهرس الكتاب
/وكذلك قدرة العبد، فإنه لو فرط بعد وجوب الحج عليه، حتى ضيع ماله بقى الحج في ذمته، وكذلك في استحلال المحرمات، قال اللّه تعالى: {فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] . فالضرورة بسبب محظور لا تستباح بها المحرمات، بخلاف الضرورة التي هي بسبب غير محظور.
وقد اختلف العلماء في العاصي بسفره هل يترخص ترخص المسافر؟ ومذهب الشافعي، وأحمد أنه لا يترخص.
فالأحوال التي ترد على العباد، وأهل المعرفة والزهاد، ونحوهم مما توجب زوال عقل أحدهم وعلمه، حتى تجعله كالمجنون والموله والسكران والنائم، أو زوال قدرته حتى تجعله كالعاجز، أو تجعله كالمضطر الذي يصدر عنه القول والفعل بغير إرادته واختياره، فإن زوال العقل والقدرة قد يوجب عجزه عن أداء واجبات، وقد يوجب وقوعه في محرمات.
فهؤلاء يقال فيهم: إن كان زوال ذلك بسبب غير محرم، فلا حرج عليهم فيما يتركونه من الواجبات، ويفعلونه من المحرمات، ولا يجوز أيضًا اتباعهم فيما هو خارج عن الشريعة من أقوالهم وأفعالهم، ولا نذمهم على ذلك، بل قد يمدحون على ما وافقوا فيه الشريعة من / الأقوال والأعمال، ويرفع عنهم اللوم فيما عذرهم فيه الشارع، كما يقال في المجتهد المخطئ سواء، بل المجتهد المخطئ نوع من هذا الجنس، حيث سقط عنه اللوم؛ لعجزه عن العلم.
وإن كان زوال ذلك بسبب محرم، استحقوا الذم والعقاب على ما يتركونه من واجب ويفعلونه من محرم.
مثال الأول: من يسمع القرآن على الوجه المشروع، فهاج له وجد يحبه، أو مخافة أو رجاء، فضعف عن حمله حتى مات، أو صعق، أو صاح صياحًا عظيمًا، أو اضطرب اضطرابًا كثيرًا، فتولد عن ذلك ترك صلاة واجبة، أو تعدي على بعض الناس، فإن هذا معذور في ذلك، فإن هذا في هذه الحال بمنزلة عقلاء المجانين المولهين، الذين حصل لهم الجنون، مع أنهم من الصالحين وأهل المعرفة، إما لقوة الوارد الذي ورد عليهم، وإما لضعف قلوبهم عن حمله، وإما لانحراف أمزجتهم وقوة الخلط، وإما لعارض من الجن، فإن هؤلاء كما بلغنا عن الإمام أبي محمد المقدسي، حيث سئل عنهم، فقال: هؤلاء قوم أعطاهم اللّه عقولًا وأحوالًا، فسلب عقولهم وأبقى أحوالهم، وأسقط ما فرض بما سلب.
ولهذا كان هذا الصنف والذي قبله موجودًا في التابعين ومن / بعدهم، لا سيما في عباد البصريين، فإن فيهم من مات من سماع القرآن، كزرارة بن أوفى، وأبي جهير الضرير وغيرهما.
وأما الصحابة، فإن حالهم كان أكمل من أن يكون فيهم مجنون أو مصعوق، ومن هؤلاء أيضًا من غلب عليه الذكر للّه، والتوحيد له والمحبة حتى غاب بالمذكور المشهود المحبوب المعبود عما سواه، كما يحصل لبعض العاشقين في غيبته بمعشوقه عما سواه، فيقول أحدهم في هذه الحال. أنا الحق، أو سبحاني، أو ما في الجبة إلا اللّه. ومنهم من غلب عليه حال الرجاء والرحمة، حتى قال: أبسط سجادتي على جهنم. فمن قال هذا في حال زوال عقله بحيث يكون كالسكران أو الموله، وكان السبب الذي أوجب ذلك غير منهي عنه شرعًا: فلا إثم عليه.
ومثال الثاني: ما قد يحصل عند سماع المكاء والتصدية لكثير من أهل السماع، فإنه قد ينشد أشعارًا فيها ما يخالف الشرع بأصوات مخالفة للشرع، ويكون الإنسان فيه استعداد فيوجب ذلك اختلاطًا، وزوال عقل، حتى يقتل بعضهم بعضًا، إما ظاهرًا وإما باطنًا بالهمة والقلوب، ويوجب أيضًا من ترك واجبات الشريعة، ومن الاعتداء على المؤمنين في الدين والدنيا ما اللّه به عليم.