فهرس الكتاب
الفروع فلم يختلفا، بل نقول: أبلغ من هذا أن القدر الذى يتنازع فيه المسلمون من الفروع لابد أن يكون أحدهما أحسن عند اللّه فإن هذا مذهب جمهور الفقهاء الموافقين لسلف الأمة على أن المصيب عند اللّه واحد في جميع المسائل، فذاك الصواب هو أحسن عند اللّه، وإن كان أحدهما يقر الآخر، فالإقرار عليه لا يمنع أن يكون مفضولا مرجوحا، وإنما يمنع أن يكون محرما.
وإذا كان هذا في دق الفروع فما الظن بما تنازعوا فيه من الأصول؟ فإنه لا خلاف بين المسلمين ولا بين العقلاء أن المصيب في نفس الأمر واحد، وإنما تنازعوا في المخطئ هل يغفر له أو لا يغفر، وهل يكون مصيبًا بمعنى أداء الواجب، وسقوط اللوم لا بمعنى صحة الاعتقاد؟ فإن هذا لا يقوله عاقل؛ أن الاعتقادين المتناقضين من كل وجه يكون كل منهما صوابا.
فتلخيص الأمر: أن هذا المقام إنما فيه تفضيل قول وعمل على قول وعمل، فالأقوال والأعمال المختلفة لابد فيها من تفضيل بعضها على بعض عند جمهور الأمة، بل ومن قال بأن كل مجتهد مصيب قد لا ينازع أن أحدهما أحسن وأصوب، ولا يدعى تماثلهما. وإن ادعاه فلم يدعه إلا في دق الفروع، مع أن قوله ضعيف مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف.
وأما الحِلّ فلم يدع مدع تساوي الأقسام فيه، وهذا بخلاف التنوع المحض، مثل قراءة سورة وقراءة سورة أخرى، وصدقة بنوع وصدقة بنوع آخر، فإن هذا قد يتماثل؛ لأن الدين واحد في ذلك من كل وجه، وإنما كلامنا في الأديان المختلفة، وليس هنا خلاف بحال.
وإذا ثبت أن الدينين المختلفين لا يمكن تماثلهما، لم يحتج إلى نفى هذا في اللفظ؛ لانتفائه بالعقل، وكذلك لما سمعوا قوله: {وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ} [القلم: 48] ، كان في هذا ما يخاف انتقاصهم إياه.
هذا، مع أن نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة شاهدة بتفضيل النبيين على بعض، وبعض الرسل على بعض، قاضية لأولى العزم بالرجحان، شاهدة بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، وأكرم الخلق على ربه، لكن تفضيل الدين الحق أمر لابد من اعتقاده؛ ولهذا ذكره اللّه في الآية.
وأما تفضيل الأشخاص، فقد لا يحتاج إليه في كل وقت، فالدين الواجب لابد من تفضيله؛ إذ الفضل يدخل في الوجوب، وإذا وجب الدين به دون خلافه فلأن يجب اعتقاد فضله أولى.
وأما الدين المستحب؛ فقد لا يشرع اعتقاد فعله إلا في حق من شرع له فعل ذلك المستحب. وإلا فمن الناس من يضره إذا سلك سبيلا من سبل السلام الإسلامية أن يرى غيره أفضل منها؛ لأنه يتشوف إلى الأفضل فلا يقدر عليه والمفضول يعرض عنه.
وكما أنه ليس من مصلحته أن يعرف أفضل من طريقته إذا كان بترك طريقته، ولا يسلك تلك، فليس أيضًا من الحق أن يعتقد أن طريقته أفضل من غيرها، بل مصلحته أن يسلك تلك الطريقة المفضية به إلى رحمة اللّه ـ تعالى ـ فإن بعض المتفقهة يدعون الرجل إلى ما هو أفضل من طريقته عندهم، وقد يكونون مخطئين فلا سلك الأول ولا الثانى. وبعض المتصوفة: المريد يعتقد أن شيخه أكمل شيخ على وجه الأرض، وطريقته أفضل الطرق، كلاهما انحراف، بل يؤمر كل رجل أن يأتى من طاعة اللّه ورسوله بما استطاعه، ولا ينقل من طاعة الله ورسوله بطريقته، وإن كان فيها نوع نقص أو خطأ، ولا يبين له نقصها إلا إذا نقل إلى ما هو أفضل منها، وإلا فقد ينفر قلبه عن الأولى بالكلية حتى يترك الحق الذى لا يجوز تركه، ولا يتمسك بشىء آخر، وهذا باب واسع ليس الغرض هنا استقصاؤه، وهو مبني على أربعة أصول:
أحدها: معرفة مراتب الحق والباطل، والحسنات والسيئات، والخير والشر؛ ليعرف خير الخيرين وشر الشرين.