الصفحة 85 من 148

الثاني: معرفة ما يجب من ذلك ومالا يجب، وما يستحب من ذلك وما لا يستحب.

الثالث: معرفة شروط الوجوب والاستحباب من الإمكان والعجز، وأن الوجوب والاستحباب قد يكون مشروطًا بإمكان العلم والقدرة.

الرابع: معرفة أصناف المخاطبين وأعيانهم؛ ليؤمر كل شخص بما يصلحه، أو بما هو الأصلح له من طاعة اللّه ورسوله، وينهي عما ينفع نهيه عنه، ولا يؤمر بخير يوقعه فيما هو شر من المنهى عنه مع الاستغناء عنه.

وهذا القدر الذي دلت عليه هذه الآية ـ من أن دين من أسلم وجهه للّه وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم، هو أحسن الأديان، أمر متفق عليه بين المسلمين ـ معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، بل من يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.

ولكن كتاب الله هو حاكم بين أهل الأرض فيما اختلفوا فيه، ومبين وجه الحكم؛ فإنه بين بهذه الآية وجه التفضيل بقوله: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ} وبقوله: {وَهُوَ مُحْسِنٌ} ، فإن الأول بيان نيته وقصده، ومعبوده وإلهه، وقوله: {وَهُوَ مُحْسِنٌ} فانتفى بالنص نفي ما هو أحسن منه، وبالعقل ما هو مثله، فثبت أنه أحسن الأديان.

الوجه الثالث: أن النزاع كان بين الأمتين، أيّ الدينين أفضل؟ فلم يقل لهما: إن الدينين سواء، ولا نهوا عن تفضيل أحدهما؛ ولكن حسمت مادة الفخر والخيلاء والغرور الذي يحصل من تفضيل أحد الدينين؛ فإن الإنسان إذا استشعر فضل نفسه أو فضل دينه يدعوه ذلك إلى الكِبْر والخيلاء والفخر، فقيل للجميع: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) سواء كان دينه فاضلا أو مفضولا؛ فإن النهي عن السيئات والجزاء عليها واقع لا محالة، قال تعالى: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا} إلى قوله: {لَوَاقِعٌ} [الذاريات: 1 - 6]

فلما استشعر المؤمنون أنهم مجزيون على السيئات ولا يغنى عنهم فضل دينهم، وفسر لهم النبى صلى الله عليه وسلم أن الجزاء قد يكون في الدنيا بالمصائب، بين بعد ذلك فساد دين الكفار من المشركين وأهل الكتاب بقوله: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى} الآية. فبين أن العمل الصالح إنما يقع الجزاء عليه في الآخرة مع الإيمان، وإن كان قد يجزى به صاحبه في الدنيا بلا إيمان، فوقع الرد على الكفار من جهة جزائهم بالسيئات، ومن جهة أن حسناتهم لا يدخلون بها الجنة إلا مع الإيمان، ثم بين بعد هذا فضل الدين الإسلامي الحنفي بقوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا} ، فجاء الكلام في غاية الإحكام.

ومما يشبه هذا من بعض الوجوه: نهى النبى صلى الله عليه وسلم أن يفضل بين الأنبياء التفضيل الذي فيه انتقاص المفضول والغَضّ منه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوا بين الأنبياء) ، وقال (لا تفضلونى على موسى) بيان لفضله، وبهذين يتم الدين.

فإذا كان اللّه هو المعبود، وصاحبه قد أخلص له وانقاد، وعمله فعل الحسنات، فالعقل يعلم أنه لا يمكن أن يكون دين أحسن من هذا، بخلاف دين من عند غير الله وأسلم وجهه له، أو زعم أنه يعبد الله لا بإسلام وجهه، بل يتكبر كاليهود، ويشرك كالنصارى، أو لم يكن محسنًا بل فاعلا للسيئات دون الحسنات، وهذا الحكم عدل محض، وقياس وقسط، دل القرآن العقلاء على وجه البرهان فيه.

وهكذا غالبا ما بينه القرآن، فإنه يبين الحق والصدق، ويذكر أدلته وبراهينه؛ ليس يبينه بمجرد الإخبار عن الأمر، كما قد يتوهمه كثير من المتكلمة والمتفلسفة، أن دلالته سمعية خبرية، وأنها واجبة لصدق المخبر، بل دلالته ـ أيضًا ـ عقلية برهانية، وهو مشتمل من الأدلة والبراهين على أحسنها وأتمها بأحسن بيان، لمن كان له فهم وعقل، بحيث إذا أخذ ما في القرآن من ذلك، وبين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت