الصفحة 87 من 148

عمران: 104] الآية فجميع الأمة تقوم مقامه في الدعوة: فبهذا إجماعهم حجة وإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله فإذا تقرر هذا فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحب الله ورسوله: وأن يبغض ما أبغضه الله ورسوله مما دل عليه في كتابه فلا يجوز لأحد أن يجعل الأصل في الدين لشخص إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولا يقول إلا لكتاب الله عز وجل. ومن نصب شخصا كائنا من كان فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} [الروم: 32] الآية وإذا تفقه الرجل وتأدب بطريقة قوم من المؤمنين مثل: اتباع: الأئمة والمشايخ؛ فليس له أن يجعل قدوته وأصحابه هم العيار فيوالي من وافقهم ويعادي من خالفهم فينبغي للإنسان أن يعود نفسه التفقه الباطن في قلبه والعمل به فهذا زاجر. وكمائن القلوب تظهر عند المحن. وليس لأحد أن يدعو إلى مقالة أو يعتقدها لكونها قول أصحابه ولا يناجز عليها بل لأجل أنها مما أمر الله به ورسوله؛ أو أخبر الله به ورسوله؛ لكون ذلك طاعة لله ورسوله. وينبغي للداعي أن يقدم فيما استدلوا به من القرآن؛ فإنه نور وهدى؛ ثم يجعل إمام الأئمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ثم كلام الأئمة. ولا يخلو أمر الداعي من أمرين:

الأول: أن يكون مجتهدا أو مقلدا فالمجتهد ينظر في تصانيف المتقدمين من القرون الثلاثة؛ ثم يرجح ما ينبغي ترجيحه.

الثاني: المقلد يقلد السلف؛ إذ القرون المتقدمة أفضل مما بعدها. فإذا تبين هذا فنقول كما أمرنا ربنا: {قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ} إلى قوله: {مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136] ونأمر بما أمرنا به. وننهى عما نهانا عنه في نص كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] الآية فمبنى أحكام هذا الدين على ثلاثة أقسام: الكتاب؛ والسنة؛ والإجماع.

فَصْل

الموالاة في الوضوء فيها ثلاثة أقوال:

أحدها: الوجوب مطلقا، كما يذكره أصحاب الإمام أحمد وهو ظاهر مذهبه، وهو القول القديم للشافعي، وهو قول في مذهب [مالك] . . .

والثاني: عدم الوجوب مطلقا، كما هو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، والقول الجديد للشافعي.

والثالث: الوجوب إلا إذا تركها لعذر، مثل عدم تمام الماء، كما هو المشهور في مذهب مالك، وهو قول في مذهب [أحمد] . . .

قلت: هذا القول الثالث هو الأظهر والأشبه بأصول الشريعة، وبأصول مذهب أحمد وغيره، وذلك أن أدلة الوجوب لا تتناول إلا المفرط، لا تتناول العاجز عن الموالاة، فالحديث الذي هو عمدة المسألة الذي رواه أبو داود وغيره عن خالد بن مَعْدَان، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنه رأي رجلا يصلي ـ وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء ـ فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة. فهذه قضية عين، والمأمور بالإعادة مفرِّط؛ لأنه كان قادرا على غسل تلك اللمعة كما هو قادر على غسل غيرها، وإنما بإهمالها وعدم تعاهده لجميع الوضوء بقيت اللمعة، نظير الذين كانوا يتوضؤون وأعقابهم تلوح فناداهم بأعلى صوته: (ويل للأعقاب من النار) . وكذلك الحديث الذي في صحيح مسلم عن عمر: أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ارجع فأحسن وضوءك) فرجع ثم صلي. رواه مسلم.

فالقدم كثيرا ما يفرط المتوضئ بترك استيعابها، حتى قد اعتقد كثير من أهل الضلال أنها لا تغسل، بل فرضها مسح ظهرها عند طائفة من الشيعة، والتخيير بينه وبين الغسل عند طائفة من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت