فهرس الكتاب
المعتزلة، الذين لم يوجبوا الموالاة، عمدتهم في الأمر حديث عن ابن عمر: أنه توضأ، [فغسل وجهه ويديه. ثم دعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد، فمسح على خفيه ثم صلي عليها] .
موالاة لفقد تمام الماء، وأصول الشريعة تدل على ذلك، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) .
والذي لم يمكنه الموالاة ـ لقلة الماء، أو انصبابه، أو اغتصابه منه بعد تحصيله، أو لكون المنبع أو المكان الذي يأخذ منه هو وغيره ـ كالأنبوب أو البئر ـ لم يحصل له منه الماء إلا متفرقا تفرقا كثيرا ونحو ذلك: لم يمكنه أن يفعل ما أمر به إلا هكذا بأن يغسل ما أمكنه بالماء الحاضر. وإذا فعل ذلك ثم غسل الباقي بماء حصله فقد اتقي اللّه ما استطاع، وفعل ما استطاع مما أمر به. يبين ذلك أنه لو عجز عن غسل الأعضاء بالكلية لعدم الماء لسقط عنه ولكان فرضه التيمم، ولو قدر على غسل بعضها فعنه ثلاثة أقوال:
قيل: يتيمم فقط، لئلا يجمع بين بدل ومُبْدَل.
وقيل: يستعمل ما قدر عليه ويتيمم للباقي. وهو المشهور في مذهب أحمد وغيره.
وقيل: بل يستعمل ذلك في الغسل دون الوضوء كما يذكر عن أبي بكر. وهو مبني على وجوب الموالاة في الوضوء دون الغسل.
قال صاحب هذا القول: فينتفع باستعمال البعض في الغسل دون التيمم. وضعفوا ذلك بأنه يفعل المقدور عليه، فَعُلم بذلك أن هذا عندهم طهارة نافعة عند العجز في الوضوء كما هي نافعة في الغسل. وإذا كان كذلك، لم يجب عليه ـ عند القدرة على الماء ـ إعادة ما غسله من أعضاء الوضوء، كما لا يجب عليه إعادة ما صلاه بالتيمم، وكما لا يجب عليه إعادة ما غسل في الغسل على المشهور عند أصحاب أحمد من الفرق بين الوضوء والغسل كما سنذكره ـ إن شاء اللّه ـ وذلك لأنه قد فعل ما أمر به كما أمر، ومن كان ممتثلا الأمر أجزأ عنه فلا إعادة عليه.
يوضح هذا أنه في حال العجز لم يكن مأمورًا بغسل العضو الثاني، وإنما يؤمر بتحصيل الطهور الذي يتمكن به من غسله أو بتأخره إلى القدرة وهو قادر على غسل العضو الأول ـ وهو المستطاع من المأمور ـ فعليه فعله، كما لو قدر على غسل بعض الأعضاء أو بعض العضو الواحد دون بعض، فإن عليه غسله، كالمقطوع يده من بعض الذراع.
وطرد ذلك ما ذكرناه لو كان ببعض أعضائه ما يمنع الوجوب من جرح أو مرض أو غير ذلك فغسل الصحيح، ثم قدر أن الألم زال وقد نشف ذلك العضو: فإنه إذا غسل الباقي فقد فعل المقدور عليه.
وأيضًا، فالترتيب واجب في صوم الشهرين بنص القرآن والسنة والإجماع، ثم اتفق المسلمون على أنه إذا قطع لعذر لا يمكن الاحتراز منه ـ كالحيض ـ فإنه لا يقطع التتابع الواجب.
ومذهب أحمد في هذا أوسع من مذهب غيره: فعنده إذا قطع التتابع لعذر شرعي لا يمكن مع إمكان الاحتراز منه ـ مثل أن يتخلل الشهرين صوم شهر رمضان، أو يوم الفطر، أو يوم النحر، أو أيام مني، أو مرض أو نفاس، ونحو ذلك ـ فإنه لا يمنع التتابع الواجب، ولو أفطر لعذر مبيح كالسفر فعلى وجهين. فالوضوء أولي إذا ترك التتابع فيه لعذر شرعي وإن أمكن الاحتراز منه.
وأيضًا، فالموالاة واجبة في قراءة الفاتحة، قالوا: إنه لو قرأ بعضها وسكت سكوتا طويلا لغير عذر، كان عليه إعادة قراءتها. ولو كان السكوت لأجل استماع قراءة الإمام، أو لو فصل بذكر مشروع ـ كالتأمين ونحوه ـ لم تبطل الموالاة، بل يتم قراءتها ولا يبتدئها ومسألة الوضوء كذلك