فهرس الكتاب
سواء، فإنه فرق الوضوء لعذر شرعي. ومعلوم أن الموالاة في الكلام أوكد من الموالاة في الأفعال.
وأيضًا، فالمنصوص عن أحمد في العقود كذلك. فإن الموالاة بين الإيجاب والقبول واجبة بحيث لو تأخر القبول عن الإيجاب ـ حتى خرجا من ذلك الكلام إلى غيره، أو تفرقا بأبدانهما، فلابد من إيجاب ثان، وقد نص أحمد على أنه إذا أوجب النكاح لغائب وذهب اليه الرسول فقبل في مجلس البلاغ، أنه يصح العقد، فظن طائفة من أصحابه أن ذلك قول منه ثان: بأنه يصح تراخي القبول مطلقًا وإن كانا في مجلس واحد بعد تفرقهما وطول الفصل، وهي الرواية التي ذكرت في مثل الهداية والمقنع والمحرر وغيرها: أنه يصح في النكاح ولو بعد المجلس.
وذلك خطأ كما نبه عليه الجد ـ فيما أظن ـ في كتابه الكبير، ولا فرق في ذلك بين النكاح والبيع والإجارة، والفرق بين الصورتين ظاهر، ويذهب إلى الفرق: غيره من الفقهاء، كأبي يوسف وغيره. وهذا التفريق من أحسن الأقوال، ويشبه أن يكون المنصوص عنه في الوضوء كذلك، لكني لم أتأمل بعد نصه في الوضوء. فإنه كثيرًا ما يحكي عنه روايتان في مثل ذلك ويكون منصوصه التفريق بين حال وحال، ويكون هو الصواب، كمسألة إخراج القيم، ومسألة قتل الموصي.
وأيضًا، فالموالاة في الطواف والسعي أوكد منه في الوضوء، ومع هذا، فتفريق الطواف لمكتوبة تقام، أو جنازة تحضر ثم يبني على الطواف ولا يستأنف، فالوضوء أولي بذلك. وعلى هذا، فلو توضأ بعد الوضوء ثم عرض أمر واجب يمنعه عن الإتمام ـ كإنقاذ غريق، أو أمر بمعروف ونهى عن منكر ـ فعله ثم أتم وضوءه، كالطواف وأولي. وكذلك لو قُدِّر أنه عرض له مرض منعه من إتمام الوضوء.
وأيضًا، فإن أصول الشريعة تفرق في جميع مواردها بين القادر والعاجز والمفرط والمعتدي، ومن ليس بمفرط ولا معتد. والتفريق بينهما أصل عظيم معتمد، وهو الوسط الذي عليه الأمة الوسط، وبه يظهر العدل بين القولين المتباينين.
وقد تأملت ما شاء الله من المسائل التي يتباين فيها النزاع نفيًا وإثباتًا حتى تصير مشابهة لمسائل الأهواء، وما يتعصب له الطوائف من الأقوال، كمسائل الطرائق المذكورة في الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي وبين الأئمة الأربعة، وغير هذه المسائل، فوجدت كثيرًا منها يعود الصواب فيه إلى الوسط، كمسألة إزالة النجاسة بغير الماء، ومسألة القضاء بالنكول، وإخراج القيم في الزكاة، والصلاة في أول الوقت، والقراءة خلف الإمام، ومسألة تعيين النية وتبييتها، وبيع الأعيان الغائبة واجتناب النجاسة في الصلاة ومسائل الشركة، كشركة الأبدان، والوجوه، والمفاوضة، ومسألة صفة القاضي.
وكذلك هو الأصل المعتمد في المسائل الخبرية العلمية التي تسمي مسائل الأصول، أو أصول الدين، أو أصول الكلام، يقع فيها اتباع الظن وما تهوي الأنفس. وقد قررنا ـ أيضا ـ ما دل عليه الكتاب والسنة فيها وفي غيرها من الفرق بين المؤمن باطنا وظاهرًا؛ وبين المنافق الزنديق المؤمن ظاهرًا لا باطنا. وأن المؤمنين قد عفي لهم عن الخطأ والنسيان، ثم غالب الخلاف المتباين فيها يعود الحق فيه إلى القول الوسط في مسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر والعدل، ومسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والإسلام، ومسائل الوعد والوعيد، ومسائل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والخروج على الأمراء ومذاهبهم، أو موافقتهم على طاعة اللّه، فأمرهم ونهيهم بحسب الإمكان والامتناع عن الخروج والفتن. وأمثال هذه الأهواء.