الصفحة 90 من 148

وأيضا، فعمدة القياس في مسألة الترتيب والموالاة إنما هو قياس ذلك على الصلاة، فإن الصلاة يجب فيها الترتيب، فلا يجوز تقديم السجود على الركوع. وتجب فيها الموالاة، فلا يفرق بين أبعاضها بما ينافيها. والصلاة ـ مع هذا ـ عبادة واحدة متصلة الأجزاء، ليس بين أجزائها فصل أصلا حتى يمكن في ذلك المتابعة أو التفريق، ثم مع ذلك إذا فرق بينهما لعذر كالعمل الكثير لضرورة كما في حديث ابن عمر: (أن الطائفة الأولى بعد صلاة ركعة تذهب وجاه العدو، فإذا صلت الثانية الركعة الثانية، ذهبت ـ أيضًا ـ إلى وجاه العدو، ثم رجعت الأولى إلى موقفها فأتمت الصلاة ثم الثانية) والصفة في الصحيحين. وهي جائزة غير مكروهة عند أئمة الحديث كأحمد وغيره، وهي الصلاة المختارة في الخوف عند أبي حنيفة؛ إذ ليس فيها مخالفة لصلاة الأمن إلا في استدبار القبلة والعمل الكثير، وهذان يجوزان للعذر كمن سبقه الحدث، فإنه عند أكثر العلماء ـ كأبي حنيفة، ومالك، وقول الشافعي وأحمد في إحدي الروايات ـ يقول: إنه يتوضأ ويبني على ما مضي إذا لم تبطل صلاته بكلام عمد ونحوه، وهذا مأثور عن أكثر الصحابة وفيه حديثان مرسلان عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمرسل إذا عمل به جمهور الصحابة يحتج به الشافعي وغيره.

وأيضًا، فإذا سلم من صلاته ساهيا ـ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين، وفصل بين أبعاض الصلاة بالقيام إلى الخشبة والاتكاء عليها، وتشبيك أصابعه، ووضع خده عليها، والكلام منه ومن المنبه له السائل له المخبر له أنه لم ينس ولم تقصر، والمجيبين له الموافقين للمنبه، ثم أتم الصلاة، لم يكن هذا التفريق والفصل مانعًا من الإتمام.

ومعلوم أنه لو فعل ذلك عمدًا، لأبطل الصلاة بلا نزاع، فإذا كانت الصلاة التي لم تشرع إلا متصلة لا يستوي تفريقها في حال العذر وعدمه، فكيف يستوي تفريق الوضوء في حال العذر وعدمه؟ مع أن الوضوء أفعال منفصلة لا يجب اتصالها بالاتفاق، وليس لقائل أن يقول: إذا عمل عملًا كثيرًا لعذر، كما في صلاة الخوف، والساهي إذا سلم فإنه في حكم المصلي، بدليل أنه لو تعمد حينئذ الحدث أو الكلام المبطل، أو العمل الكثير الذي لا يحتاج اليه أو استدبار القبلة الذي لا يحتاج اليه، أو كشف العورة، بطلت صلاته. ولو كان في غير صلاة لم تبطل صلاته بذلك، فلا يكون هذا تركا للموالاة الواجبة؛ لأنه يقال: بل هذا من أوكد الأدلة على ما قلناه، فإنه من المعلوم أن هذه الأفعال والفصل الطويل المعفو له عنه ـ مثل الذهاب إلى العدو ثم الرجوع إلى موقفه، ومثل قيام المسلم سهوًا إلى ناحية المسجد واتكائه عليه ـ ليس هو من أفعال الصلاة الواجبة ولا المستحبة، ولا داخلًا في ذلك كما يدخل ما يدخل في تطويل القيام، والركوع، والسجود، والقعود، فإن هذه الأربعة من جنس أفعال الصلاة، فإذا أطالها أو أدخل فيها ما لا يشرع في الصلاة من العمل اليسير، لم يمنع أن تكون هي من الصلاة.

وأما تلك فليست من أفعال الصلاة، وإنما أمر المصلي بالعمل الكثير في صلاة الخوف لأجل الجهاد، وغفر له عن نحو ذلك من السهو لأن الله تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، فصار الفصل بين أبعاض الصلاة المتتابع ـ تارة بفعل يوجب تغييرها، وتارة بفعل لا جناح على فاعله لكونه ليس مكلفًا بتركه ـ يشبهه الفصل بين الصيام المتتابع: تارة بصوم أو فطر واجب، وتارة بحيض أو نفاس، أو مرض يعجز معه عن الصوم.

ولهذا طرد أحمد ذلك، ولو وقع هذا التفريق لغير عذر أبطل الصلاة بالاتفاق، فالوضوء أولي ألا يسوي بين تفريقه لعذر ولغير عذر. وأما كونه في حكم المصلي فمعنى ذلك أنه ليس له أن يفرق الصلاة إلا بما يعفي عنه فيه، فإذا أتي بما ينافيها ـ من كلام عمد، أو عمل كثير، أو استدبار قبلة لغير عذر ـ كان قد فصل بين أبعاضها وفرق بينها بما ينافيها لغير عذر، فتبطل صلاته، كما لو صلي ركعتين فسلم عمدا، فإنه ليس له أن يأتي بالركعتين الأخيرتين، بل يستأنف الصلاة، ولو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت