فهرس الكتاب
سلم سهوًا بني على الأول، بالسنة المتواترة عند العلماء واتفاقهم على ذلك. والمسلم إنما هو خارج من الصلاة وزائد على الفعل المأمور به، فإذا فعل ذلك عمدًا لم يكن له ذلك، ولا محذور في ذلك إلا قطع الصلاة، ألا تري أنه لا فرق بين الوتر بثلاثة متصلة وثلاث يفصل فيها بين الشفع والوتر: إلا بمجرد الفصل؟
ولهذا يقولون: يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة، أو لا يفصل بتسليمة. فمن أهل العراق من لا يسوغ الفصل كالمغرب؛ ويجعل وتر الليل لا يكون إلا كوتر النهار متصلا غير منفصل. ومن أهل الحجاز من لا يسوغ إلا الفصل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثني مثني، فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة) .
وفقهاء أهل الحديث يختارون الفصل لصحة الآثار وكثرتها به، وإن جوزوا الوصل.
والمقصود هنا أنهم لا يذكرون بين صورتي الوتر فرقًا: إلا كون هذا متصلا وهذا منفصلا. وهذا هو الموالاة والتفريق، فتبين أن السلام العمد إنما أبطل الصلاة المكتوبة ونحوها مما سنته الاتصال؛ لأجل تفريق بعض الصلاة عن بعض، وهو إذا فعل ذلك سهوًا لم تبطل، وكل ما ينافي الصلاة ـ من فعل أو عمل كثير، أو تعمد كلام، وترك شرط من شروطها ـ من استقبال القبلة أو ستر عورته ونحو ذلك ـ فإنه ـ مع منافاته ـ يفرق بين أبعاض الصلاة، ويمكن أن يخرج منها كما يخرج بالسلام؛ ولهذا ذهب بعض أهل العراق إلى أنه يخرج منها بكل ما ينافيها كما يخرج بالسلام، لكن فقهاء الحديث وأهل الحجاز منعوا ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مفتاح الصلاة الطُّهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) ، ولغير ذلك من الأمور التي يتبين أنه لا يدخل فيها إلا بالمشروع، ولا يخرج إلا بالمشروع.
ومما يوضح الكلام في هذا أمور:
أحدها: أن من يجوز الوتر بثلاث مفصولة ـ كالشافعي وأحمد وغيرهما ـ يجوز عندهم أن تكون الصلاة التي لها اسم واحد يفصل بين أبعاضها بالسلام العمد، كالوتر والضحي، وقيام رمضان، والأربع قبل الظهر، واختيارهم في جميع الصلوات أن تكون مثني مثني: إلا ما استثناه أحمد من الصور التي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها الفصل، كالوتر بخمس أو سبع أو تسع، فإنه يختار فيها ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، ويقولون: أدني الوتر ثلاث مفصولة وقد ثبت في الصحيح من غير وجه عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر من الليل بإحدي عشرة ركعة، يفصل بين كل ركعتين، فسمت الجميع وترًا مع الفصل.
وقد ينازعهم في هذا أصحاب أبي حنيفة؛ إذ المسنون عندهم في الأربع قبل الظهر الوصل، وكذلك في الوتر بثلاث، وكذلك إذا جاء ذكر صلاة أربع أو ثمان، يجعلونها بتسليمة.
الثاني: إذا تكلم بعد سلامه من الصلاة سهوًا كما في حديث ذي اليدين، فقد علم ما فيه من الفقه، والمنازع يقول: هو منسوخ، كما يقوله أصحاب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد: كالقاضي أبي يعلى، وهم الذين يقولون: إن الكلام يبطل الصلاة مطلقا، ولو كان بعد السلام سهوًا بناء على أنه في الصلاة.
والجمهور على أنه محكم، وهو الصواب وهو المنصوص عن أحمد في عامة أجوبته، فإنه أخذ به وتفقه فيه، ولم يترك الأخذ به ولا قال هو منسوخ. وقد ثبت أن المشهور بروايته الذي ذكر أنه صلاها مع النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو هريرة، قال: وذكر فيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلي بهم الصلاة، وهو إنما سلم ورأي النبي صلى الله عليه وسلم، وصلي خلفه من عام خيبر، والقضية كانت في مسجده، وذلك بعد رجوعه من خيبر بيقين، وهذا يقين بعد تحريم الكلام، فإنه قد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمت