الصفحة 92 من 148

عليه فلم يرد على، فقلنا: يا رسول الله، إنا كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا؟ فقال: (إن في الصلاة شغلا) .

فهذا يبين أن الكلام حرم عليهم لما رجعوا من عند النجاشي، وعبد الله بن مسعود شهد بدرًا مع النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف وهو الذي أجهز على أبي جهل ابن هشام، فهذا يقتضي أن تحريم الكلام قبل بدر، سواء كان ابن مسعود رجع من الحبشة إلى مكة ثم هاجر، أو قدم من الحبشة إلى المدينة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا قد تنوزع فيه: فذكر ابن إسحاق في السيرة القول الأول، وعلى هذا فيكون تحريم الكلام بمكة، وهو مقيد كما في مسند أبي داود الطيالسي، عن عبد اللّّه بن عقبة، عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ـ ونحن ثمانون رجلا، ومعنا جعفر بن أبي طالب ـ فذكر الحديث في دخولهم على النجاشي، وفي آخره: فجاء ابن مسعود فبادر فشهد بدرًا.

وللناس في هذا المقام المشتبه ثلاثة أقوال يقولها من يقولها من أصحاب أحمد وغيرهم:

أحدها ـ وهو قول أصحاب أبي حنيفة، والقاضي أبي يعلى، وطائفة من أتباعهم ـ: أن حديث ذي اليدين متقدم على تحريم الكلام وظنوا أن قضيته كانت قبل بدر، واحتجوا بأن ذا اليدين قتل يوم بدر فلابد أن تكون القضية قبل ذلك، قالوا: وتحريم الكلام كان بالمدينة بعد ذلك كما في الصحيحين عن زيد بن أرقم قال: إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] ، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام؛ وليس للبخاري: ونهينا عن الكلام، وفي رواية للترمذي: كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة.

وزيد بن أرقم من صغار الأنصار، وهو صاحب الأذن الذي وفي الله بأذنه لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول ابن أبي من المنافقين: {لَئِن رَّجَعْنَا إلى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: 8] وكذبه من كذبه ولامه من لامه من المؤمنين، حتى أنزل الله قوله: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إلى الْمَدِينَةِ} [المنافقون: 8] ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا الذي وفي الله بأذنه) وهو لم يصل مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد الهجرة فعلم أنهم كانوا يتكلمون بعد الهجرة، وذكر أن النسخ حصل بآية المحافظة ـ وهي مدنية بالاتفاق ـ بل قد يقال: إنها إنما نزلت عام الخندق لما شغله المشركون عن صلاة العصر، حتى قال: (ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطي صلاة العصر) ، كما ثبت ذلك في الصحيح، فقال هؤلاء: إذا كانت قصة ذي اليدين قبل بدر ولم يثبت أن الكلام كان قد حرم، أو ثبت أنه إنما حرم بعد ذلك بل بعد عام الخندق التي هي بعد بدر بأكثر من سنتين، كان منسوخا. وأقصي ما يقال: إنه يحتمل أنه كان قبل النسخ، ويحتمل أنه بعده، فلا يبقي فيه حجة.

ونجد كثيرًا من الناس ـ ممن يخالف الحديث الصحيح من أصحاب أبي حنيفة أو غيرهم ـ يقول: هذا منسوخ، وقد اتخذوا هذا مجنة، كل حديث لا يوافق مذهبهم يقولون: هو منسوخ من غير أن يعلموا أنه منسوخ، ولا يثبتوا ما الذي نسخه.

وكذلك كثير ممن يحتج بالعمل من أهل المدينة ـ أصحاب مالك وغيرهم ـ يقولون: هذا منسوخ، لكن هؤلاء قد يقولون: إن وجود عمل أهل المدينة بخلافه دليل نسخه، وهذا كثير. وما ذكروه في حديث ذي اليدين هو من أبلغ ما قرروه، وادعوا أن تحريم الكلام كان بعد ذلك عام الخندق أو نحوه، ويقولون في القنوت: إنه منسوخ. وفي دعائه ـ لمعين أو غير معين ـ: إنه منسوخ، وإن هذا من كلام الآدميين الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين) حتى يبالغوا فيما يبطل الصلاة من هذا النحو، كالتنبيه بالقرآن وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت