فهرس الكتاب
ودعوي هذا ـ أيضًا ـ هي من بعض الوجوه ما يدعيه بعض أهل الأهواء في النص الجلي على معين في الإمامة، أو من زيادة في القرآن وغير ذلك؛ ولهذا كان المصنفون يفرقون بين بيان ما يمتنع من الكذب وما يمتنع من الكتمان. فإذا تكلموا في الأخبار الصادقة التي يمتنع أن تكون كذبا من الأخبار المتواترة، تكلموا فيما يمتنع أن يكون من الأخبار للعادة العامة، أو الخاصة، أو للأدلة الشرعية الدالة على حفظ هذا الدين وأمثال ذلك، وبسط هذا له موضع آخر.
وأما الدعاء على أهل الكتاب ـ كما يتخذه من يتخذه سنة راتبة في دعاء القنوت في النصف الأخير من شهر رمضان أو غيره ـ فهذا إنما هو منقول عن عمر بن الخطاب أنه كان يدعو به لما كان يجاهد أهل الكتاب بالشام، وكان يدعو به في المكتوبة، وهو موافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت أحيانًا، يدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين، ويذكر قبائل المشركين الذين يحاربونه، كمضر، ورعل، وذكوان، وعصية، وعمر لما قاتل أهل الكتاب قنت عليهم في المكتوبة، فالسنة أن يقنت عند النازلة ويدعو فيها بما يناسب أولئك القوم المحاربين. فأما أن يتخذ قنوت عمر في المكتوبة سنة في الوتر وقنوت الحسن في الوتر سنة في المكتوبة راتبة فهو كما تراه، وكذلك في هذا الحديث أنه دعا لأقوام سماهم بأسمائهم بعد خيبر، وذلك بعد تحريم الكلام بالاتفاق، وإن اقتضي ما يقال في تأخر تحريم الكلام في الصلاة أنه تأخر إلى عام الخندق، وخيبر بعد الخندق بأكثر من سنتين، فإن خيبر كانت بالاتفاق بعد الحديبية، والحديبية كانت بالاتفاق سنة ست، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ـ أيضًا ـ إنما اعتمر في ذي القعدة، فلما صالحهم رجع إلى المدينة، فكانت غزوة الغابة ـ غزوة ذي قرد ـ التي ذكرها مسلم في صحيحه من حديث سلمة بن الأكوع لما جعل يقول:
خذها وأنا ابن الأكوع ** واليوم يوم الرضع
لما أغارت فزارة على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت خيبر عقب ذلك في أواخر ست وأوائل سبع، وهذا متفق عليه.
وأما الخندق فقبل ذلك. إما في أوائل خمس أو أواخر أربع، كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني. وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني.
وليس لأحد أن يحتج على النسخ بما في الصحيحين عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: (اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا) بعد ما يقول: (سمع الله لمن حمده: ربنا ولك الحمد) ، فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} ) [آل عمران: 128] ، فإن هذا إنما يدل على ترك اللعنة لهم، لكونه ليس له من الأمر شيء لجواز توبتهم، وهذا إذا كان نهيًا فلا فرق فيه بين الصلاة وخارج الصلاة، والكلام إنما هو في الدعاء الجائز خارج الصلاة، كالدعاء لمعينين مستضعفين، والدعاء على معينين من الكفار بالنصرة عليهم، لا باللعنة ونحو ذلك.
والقول الثاني: قول من يقول ـ من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم ـ: إن تحريم الكلام كان بمكة بناء على أن النسخ ثبت بحديث ابن مسعود بناء على ما ذكره ابن اسحاق في السيرة قال: وبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك إسلام أهل مكة الذي كان باطلا، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفيا، فكان من قدم منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة شهد معه بدرًا وأحدًا، فذكر منهم عبد الله بن مسعود.
وهؤلاء يجيبون عن حديث زيد بن أرقم بجوابين:
أحدهما: أنه يحتمل أنه كان نهى عنه متقدمًا ثم أذن فيه، ثم نهى عنه لما نزلت الآية.