فهرس الكتاب
الثاني: أنه يحتمل أن يكون زيد بن أرقم ومن كان يتكلم في الصلاة لم يبلغهم نهى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نزلت الآية انتهوا.
فأما القول الأول فضعيف لوجوه قاطعة.
منها: أن حديث ابن مسعود صحيح صريح، وقد علم بالتواتر عند أهل العلم أن ابن مسعود شهد بدرًا، وهو لما رجع من الحبشة أخبر أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يرد عليه بعد ما كان يرد عليهم قبل أن يذهبوا إلى الحبشة، وأنه قال لهم: (إن في الصلاة لشغلا) ، وفي رواية: (إن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث ألا تتكلموا في الصلاة) .
الثاني: أن أبا هريرة لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يُصلِّ خلفه إلا بعد عام خيبر باتفاق أهل العلم، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، وهو أشهر من روي حديث ذي اليدين، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلي تلك الصلاة بهم، كما في الصحيحين عنه قال صلي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر) فعلم أنها لم تكن قبل عام خيبر، بل بعد فتح خيبر: فكيف تكون قبل بدر؟ بل خيبر بعد الخندق، فلو ثبت أن الكلام لم يحرم إلا عام الخندق لكان حديث ذي اليدين بعد ذلك فلا يكون منسوخا.
الثالث: أن من رواة حديث ذي اليدين عمران بن حُصَين كما رواه مسلم وغيره، قالوا: وإسلام عمران كان بعد بدر، وقد روي نحوًا منه أهل السنن من حديث معاوية بن خُدَيْج، وقد قيل: إنه أسلم قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهرين، وقد روي حديث ذي اليدين كما رواه أبو هريرة وعبد الله بن عمر، رواه أهل السنن قالوا: وإسناده على شرط الصحيح، وابن عمر قبل بدر كان صغيرًا، فإنه عام أحد كان ابن أربع عشرة سنة، ولا يكاد ابن عمر يروي ما كان حينئذ ـ مما كان مثل ذلك ـ كما لم يرو حديث بناء المسجد ونحوه.
الرابع: أن قولهم: ذواليدين قبل بدرٍ، غلط، قالوا: فإن المقتول ببدر هو ذو الشمالين، هو ابن عمرو من نضلة بن عبسان، حليف لبني زهرة من خزاعة، قتل ببدر. وأما ذو اليدين فاسمه الخرباق، ويكني أبا العريان، بقي بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وروي حديثه في السهو كما ذكره عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، عن نصر عن معدي بن سليمان ثقة، قال: أتيت مطرًا لأسأله عن حديث ذي اليدين فأتيته فسألته، فإذا هو شيخ كبير لا ينفذ الحديث من الكبر، فقال ابنه شعيب: بلي يا أبت، حدثتني: أن ذا اليدين لقيك بذي خشب فحدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلي بهم إحدي صلاتي العشي وهي العصر ركعتين، ثم سلم فخرج سرعان الناس، فقالوا: قصرت الصلاة ـ وفي القوم أبو بكر وعمر ـ فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: (ما قصرت الصلاة ولا نسيت) ثم أقبل على أبي بكر وعمر فقال: (ما يقول ذو اليدين؟) فقالا: صدق يا رسول الله، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاب الناس؛ وصلي بهم ركعتين ثم سلم؛ ثم سجد سجدتي السهو.
ورواه عبد الله بن أحمد ـ أيضًا ـ عن محمد بن المثني، عن معدي بن سليمان، عن شعيب بن مطر، ومطر جاء من يصدقه بمقالته. وهذا السياق موافق لسياق أبي هريرة وابن عمر في أن السلام كان من ركعتين، وفي حديث عمران أنه من ثلاث، وكذلك في حديث رافع، وفيه الجزم بأنها العصر، كما في حديث عمران وغيره، وهل كانت القصة مرة أو مرتين؟ هذا فيه نزاع ليس هذا موضعه.
والمقصود هنا: أنه إذا ثبت أن حديث ذي اليدين محكم، ثبت به أن مثل ذلك الكلام والفعال لا يبطل الصلاة، وهنا أقوال في مذهب أحمد وغيره: فعنه أن كلام الناسي والمخطئ لا يبطل، وهذا قول مالك والشافعي، وهو أقوي الأقوال، ومما يؤيده حديث معاوية بن الحكم السلمي لما شمت