الصفحة 96 من 148

العاطس في الصلاة، فلما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين) ولم يأمره بالإعادة، وهذا كان جاهلا بتحريم الكلام. وفي الجاهل لأصحاب أحمد طريقان.

أحدهما: أنه كالناسي.

والثاني: أنه لا تبطل صلاته وإن بطلت صلاة الناسي؛ لأن النسخ لا يثبت حكمه إلا بعد العلم بالناسخ.

وهذا الفرق ضعيف هنا؛ لأن هذا إنما يكون فيمن تمسك بالمنسوخ ولم يبلغه الناسخ كما كان أهل قباء، وأما هنا فلم يكن بلغه المنسوخ بحال، فالنهى في حقه حكم مبتدأ، لكن هل يثبت الحكم في حق المكلف قبل بلوغ الخطاب؟ فيه ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد وغيرهم:

أحدها: أنه يثبت مطلقًا.

والثاني: لا يثبت مطلقا.

والثالث: الفرق بين الحكم الناسخ والحكم المبتدأ.

وعلى هذا يقال: الجاهل لم يبلغه حكم الخطاب، وقد يفرق بين الناسي والجاهل: ألا تري من نام عن صلاة أو نسيها فإنه يعيدها باتفاق المسلمين؟ وكذلك من ترك شيئا من فروضها نسيانًا ثم ذكر قبل أن يذكر أنه صلي بلا وضوء، أو ترك القراءة أو الركوع ونحو ذلك فإنه يعيد. وأما من نسي واجبًا كالتشهد الأول، فإنه يسجد قبل السلام، فإن تعمد تركه ففي بطلان صلاته وجهان: أشهرهما: تبطل، ولو نسيه مطلقا لم تبطل صلاته، فهنا قد أثر النسيان في سقوط الواجب مطلقا.

وأما الجاهل فلو صلي غير عالم بوجوب الوضوء من لحم الإبل، أو صلي في مباركها غير عالم بالنهى ثم بلغه، ففي الإعادة روايتان، لكن الأظهر في الحجة أنه لا يعيد، كما قد بسطناه في غير هذا الموضوع.

ومما يقرر هذا في كلام الجاهل في الصلاة أحاديث:

منها: حديث ابن مسعود حديث التشهد المستفيض: إنه قال: كنا نقول في الصلاة: السلام على الله من عباده، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان. فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: (إن الله هو السلام) ، ولم يأمرهم بإعادة الصلوات التي قالوا ذلك فيها، مع أن هذا الكلام حرام في نفسه، فإنه لا يجوز أن يدعي الله بالسلام، بل هو المدعو، ولما كانوا جهالا بتحريم ذلك لم يأمرهم بالإعادة. ومن ذلك الأعرابي الذي قال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، وقال: (لقد تحجرت واسعًا) يريد رحمة الله. وهذا الدعاء حرام، فإنه سؤال الله ألا يرحم من خلقه غيرهما. ومن ذلك قول القائل ـ لما صلي بهم أبو موسي: أقرنت الصلاة بالبر والزكاة؟ فقال أبوموسي: يا حطان، لعلك قلتها؟ فقلت: ما قلتها ولقد خشيت أن تنكعني بها، ولم يأمرني أبو موسي بالإعادة.

وعلى هذا، فكلام العامد في مصلحتها فيه روايتان عن أحمد:

إحداهما: يجوز. وهو قول مالك.

والثانية: لا يجوز. وهو قول الشافعي.

وفيه رواية ثالثة: أن الكلام يبطل إلا إذا كان لمصلحتها، سواء كان عمدًا أو سهوًا.

وفيه رواية رابعة: إلا لمصلحتها سهوًا، وهو اختيار جدي.

وفيه رواية خامسة: تبطل إلا صلاة إمام تكلم لمصلحتها؛ سواء كان عمدًا أو سهوًا.

ومنشأ التردد أنه تكلم ذو اليدين ابتداء، وتكلم جوابًا للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله: بلي قد نسيت: بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لم أنس ولم تقصر) ، وتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وبقوله: (أحق ما يقول ذو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت