الصفحة 97 من 148

اليدين؟) وتكلم المخاطبون بتصديق ذي اليدين فقيل: إنما جاز ذلك لكونه لم يعتقد أنه في الصلاة، وكذلك ذو اليدين سؤاله له هو بمنزلة سلامه والمؤمنين معه اتباعًا له، فإنهم لم يكونوا يعلمون أنه نسي، بل جوز أن تكون الصلاة قصرت، وكذلك سائر الصحابة لو علموا أنه نسي وأن متابعة الناسي في السلام لا تجوز، لسبحوا به، لكن لم يعلموا بجميع الأمرين قطعًا، بل جوزوا أحدهما أو كلاهما، بل كانوا يعتقدون وجوب المتابعة له في الصلاة مطلقًا حتى يتبين لهم.

فقيل لهؤلاء: فالمصلون أجابوه بتصديق ذي اليدين مع علمهم بأنها لم تقصر وأنه نسي، فظن بعضهم ذلك؛ لأن جوابه واجب لا يبطل الصلاة لحديث سعد بن المعلى، وظن اَخرون أن ذلك لمصلحة الصلاة فجوزوا الكلام لمصلحة الصلاة عمدًا، وظن آخرون أن ذلك إنما كان سهوًا لأنهم لم يكونوا يعلمون أنه قد بقي عليهم بقية من الصلاة، وإن من بقي عليه بقية لا يتكلم.

ثم قال آخرون: هذا الكلام وكلام النبي صلى الله عليه وسلم وذي اليدين مع كون ذلك سهوًا، فإنما كان لمصلحة الصلاة، والمقصود هنا أن من تكلم في صلب الصلاة عالمًا أنه في صلاته بنحو هذا سهوًا وعمدًا لمصلحة الصلاة: هل يكون بمنزلة هذا؟ هذا فيه قولان في مذهب أحمد وغيره. فمن لم يسو بينهما قال: هذه الحال لم يكونوا في صلاة لخروجهم منها سهوًا، وإن كانوا في حكمها كما ذكرنا، فلهذا شاع هذا. ومن يسوي بينهما قال: سائر محظورات الصلاة هي في مثل هذه الحال كما هي في الصلاة نفسها فإن التفريق هنا إنما جاز لعذر السهو فلا يفيد فعل شيء مما ينافي الصلاة؛ ولهذا اتفقوا على أنه إذا تعمد في مثل هذه الحال ما يبطل الصلاة لغير مصلحة، بطلت صلاته، وإن كانت لا تبطل إذا فعل ذلك بعد سلام الإمام؛ وذلك أن المصلي صلي الصلاة وترك منافيها، فإذا عفي عنه في أحدهما لعذر لم يجز أن يعفي عنه في الآخر لغير عذر، كما لو زاد الفعل عمدًا فإنه بعد الذكر لو أطال الفصل عمدًا، لم يكن له البناء، بل يبتدئ الصلاة ولهذا لو فعل منافيها سهوًا ـ من كلام أو عمل كثير ونحو ذلك ـ لم يكن له مع ذلك أن يفرقها عمدًا.

فتبين بهذا كله وجوب الموالاة في الصلاة إلا في حال العذر المسوغ لذلك، فالوضوء أولي بذلك.

فإن قيل: فما تقولون في الغسل؟

قيل: المشهور عند أصحاب أحمد: الفرق بينهما. وعمدة ذلك ما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم (رأي على يده لمعة لم يصبها الماء فعصر عليها شعره) . وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل من جنابة فرأي لمعة لم يصبها الماء فقال بجمته فبلها عليها، رواه أحمد وابن ماجة من حديث أبي على السروجي. وقد ضعف أحمد وغيره حديثه. وروي ابن ماجه عن على قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني اغتسلت من الجنابة فصليت الفجر ثم أصبحت فرأيت موضعا قدر الظفر لم يصبه ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك) وعن ابن مسعود أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يغتسل من الجنابة فيخطئ بعض جسده؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يغسل ذلك المكان ثم يصلي) . رواه البيهقي من رواية عاصم بن عبد العزيز الأشجعي، قال البخاري: فيه نظر! وقال ابن حبان: يخطئ كثيرًا. وقال الدارقطني: ليس بالقوي.

والفرق المعنوي: أن أعضاء الوضوء متعددة يجب فيها الترتيب عندهم، فوجبت فيها الموالاة، والبدن في الغسل كالعضو الواحد، لا يجب فيه ترتيب فلا يجب فيه موالاة ـ أيضًا ـ فإن حكم الوضوء يتعدي محله، فإنه يغسل أربعة أعضاء فيطهر جميع البدن، وأما الجنابة فتشبه إزالة النجاسة، لا يتعدي حكمه محله. فكل ما غسل شيئًا ارتفع عنه الجنابة، كما ترتفع النجاسة عن محل الغسل، فإذا غسل بعض أعضاء الوضوء لم يرتفع شيء من الحدث، لا عنه ولا عن غيره بدليل أنه لا يباح له مس المصحف به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت