فهرس الكتاب
وقد يقال: هذا لا يؤثر في الموالاة، فإن وجوب الموالاة في الشيء الواحد أقوي من وجوبها في الاثنين، بخلاف الترتيب، فإنه لا يكون إلا بين شيئين ولابد أن يكونا مختلفين؛ إذ المتماثلات ـ كالطوافات والسعيات ـ لا يكون بينهما ترتيب، ولهذا لم يجب الترتيب عند أحمد ومالك في الركعات، بل من نسي ركنًا من ركعة فلم يذكر حتى قرأ في الثانية: قامت مقامها، وغسل الجنابة عبادة واحدة، الاتصال فيها أظهر منه في الوضوء، وهي عبادة في نفسها تعتبر لها النية، بخلاف إزالة النجاسة فإنها لا تتعين لها النية إلا في وجه ضعيف، التزموه في الخلاف الجدلي، كما ذكره أبو الخطاب ومن تبعه وليس بشيء، فيمكن أن يقال: الموالاة فيهما واحدة.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عصر على اللمعة بعد جفافها في الزمن المعتدل، وأن الوضوء لا يجوز فيه ذلك، فالفرق أن تارك اللمعة في الرجل مفرط بخلاف المغتسل من الجنابة فإنه لا يري بدنه كما يري رجليه، فاللمعة إذا كانت في ظهره أو حيث لا يراه ولا يمكنه مسه كان معذورًا في تركها. فلهذا لم تجب فيه الموالاة، بخلاف ما لا يعذر فيه، والله أعلم.
وعلى هذا، فلو قيل بسقوط الترتيب بالعذر لتوجه، وقد يخرج حديث تأخير المضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه ـ وهو إحدي الروايتين المنصوصتين ـ على هذا، وأن تاركهما لم يعلم وجوبهما فكان معذورًا بالترك، فلم يجب الترتيب في ذلك، بخلاف من لم يعذر كمنكس الأعضاء الظاهرة، ولكن نظيره حديث العهد بالإسلام، إذا اعتقد أن الوضوء غسل اليدين والرجلين فغسلهما فقط، أو من ترك غسل وجهه أو يديه لجرح أو مرض وغسل سائر أعضاء الوضوء ثم زال العذر قبل انتقاض الوضوء، فهنا إذا قيل: يغسل ما ترك أولا ولا يضره ترك الترتيب، كان متوجهًا على هذا الأصل. والله أعلم
فصل
وأما الأكل واللباس، فخير الهدي هدي محمدصلي الله عليه وسلم. وكان خلقه في الأكل أنه يأكل ما تيسر إذا اشتهاه، ولا يرد موجودًا، ولا يتكلف مفقودًا، فكان إن حضر خبز ولحم، أكله. وإن حضر فاكهة وخبز ولحم، أكله. وإن حضر تمر وحده أو خبز وحده، أكله. وإن حضر حلو أو عسل طَعِمَه ـ أيضًا ـ وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان يأكل القِثَّاء بالرطب. فلم يكن إذا حضر لونان من الطعام يقول: لا آكل لونين، ولا يمتنع من طعام لما فيه من اللذة والحلاوة.
وكان ـ أحيانا ـ يمضي الشهران والثلاثة لا يوقد في بيته نار، ولا يأكلون إلا التمر والماء. وأحيانا، يربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان لا يعيب طعامًا، فإن اشتهاه أكله، وإلا تركه. وأكل على /مائدته لحم ضب فامتنع من أكله، وقال: (إنه ليس بحرام، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه) .
وكذلك اللباس، كان يلبس القميص والعمامة، ويلبس الإزار والرداء ويلبس الجبة
والفَرُوج، وكان يلبس من القطن والصوف، وغير ذلك. لبس في السفر جبة صوف، وكان يلبس مما يجلب من اليمن وغيرها، وغالب ذلك مصنوع من القطن، وكانوا يلبسون من قباطي مصر، وهي منسوجة من الكتان. فسنته في ذلك تقتضي أن يلبس الرجل ويطعم مما يسره الله ببلده، من الطعام واللباس. وهذا يتنوع بتنوع الأمصار.
وقد كان اجتمع طائفة من أصحابه على الامتناع من أكل اللحم ونحوه، وعلي الامتناع من تزوج النساء، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 87، 88] ،