فهرس الكتاب
(أَيُّها النَّاس)
نلحظ أول ما نلحظ هذا النداء القريب إلى النفوس، إذ استغنى عن أداة النداء (( يا ) )، وغيرها تحقيقًا لهذا القرب والتلاحم مع أبناء الأمة الذين زالت الهوة بينهم وبين معلمهم وهاديهم.
إن حذف أداة النداء قد حقق هذا القرب والتلاحم، فكأن الناس قريبون إليه يناديهم بأرق النداء وأعذبه ليستميل قلوبهم إلى ما يلقي عليهم من حسن التوجيه وسديد الإرشاد.
ويا للنداء وضع في أصله لنداء البعيد، بدليل أنهم عدوا الأداتين (( الهمزة وأي ) )للقريب (1) .
وأما (( يا ) )فقال ابن الحاجب: أنها حقيقة في القريب والبعيد لأنها لطلب الإقبال مطلقًا، وقال الزمخشري: إنها للبعيد )) (2) .
وإذا كان الأمر كذلك فإن من الواضح أن يكون حذف أداة النداء دالًا على قرب المنادي للمنادى، والالتصاق به والتحبب إليه:
وليس يسعنا في هذا الموضع أن نحمل حذف الأداة على خلاف مقتضى الظاهر، لأن ذلك يدعونا إلى القول إن المنادى ممن سها أو غفل، وما كان له أن يكون على ذلك الحال، إلا أن حذف الأداة هنا جاء على الحقيقة والحال وليس عدولًا عنها تنزيهًا من الرسول (صلى الله عليه وسلم) للمسلمين عن السهر والغفلة.
( اسمعوا قولي )
اسمعوا, فعل أمر،وللأمر وجهتان في التعبير البلاغي: حقيقي ومجازي، وللمجازي أغراض متعددة.
ينبغي أن نحدد بادئ ذي بدء مدلول الأمر الحقيقي والمجازي لنتبين في أي المسارات تتجه هذه الصيغة.
الأمر الحقيقي: (( صيغته موضوعة لطلب الفعل استعلاءًا، لتبادر الذهن عند سماعها إلى ذلك وتوقف ما سواه على القرينة ) ) (3) .
(1) السيرة النبوية لابن هشام. القسم الثاني - ص604 - 603. .
(2) التلخيص في علوم البلاغة - الهامش 172.
(3) مواهب الفتاح (من شروح التلخيص) 334.