الصفحة 72 من 91

وٍن من أسرار البلاغة العربية وذوقها أن تساير الأساليب المختلفة وتتماشى مع المواقف والسياقات حسبما يتطلب المقام اللغوي والنفسي,"والبلاغة الحق - إضافة إلي كونها الكلام المكتوب أو المسموع, هي التي تقدر الظروف والمواقف, وتعطي كل ذي حق حقه, سواء أكانت شعرًا أم نثرًا, مقالا أم قصة, مسرحية أم حكاية, مديحا أم هجاء, غزلا أم استعطافا" (1)

الدراسة البلاغية

هذه الخطبةْ نموذجٌ رائع للخطب الدينية، وقد التزم الخطيب بالوضوح المشرق لأنّه عليه السلام يريدُ أن يَفْهمَ الناسُ عنه جميعًا، فأنت لا تشعر بلفظ غريب ولا بمعنى مبهم، وكيف؟ والداعيةُ الأمين يقدِّرَ موقفه ويعرفُ أنه يُخَاطِبُ جميع البشر، ولن يبلغ حاجَته بغير الوضوح السّاطع والإشراق الوضيء والمعاني متسلسلة، مع تحديد دقيقٍ كاشف.

(الحمدُ لله نحمدُهُ وَنَسْتَعِينُه، ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَتُوبُ إليه، ونَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنْفُسِنا ومِنْ سيّئآتِ أعْمَالِنَا مَن يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضَلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ. أَمَّا بعد:

بدأ الرسول الخطبة الجامعة بالحمد والثناء فكانَ ذلك سننًا مرسومًا يحتذيه جميع الخطباء بل إن الجمل الأولى من هذه الخطبة صارتْ محفوظة مشتهرة لكثرةِ ما يردّدهَا الخطباء مُعجبين، ولها مكانتها في نفوس السّامعين. وإن الثناء لله تعالى نثني عليه، ونطلب منه العون، ونرجو المغفرة والرجوع إليه، ونلجأ إليه تعالى من وساوس أنفسنا، ومن دنايا أفعالنا، فإنه تبارك وتعالى يحفظ من هداه، فلا سبيل إلى ضلاله، ومن فقد هدايته فلن يجد هاديًا مرشدًا.وهذه الافتتاحية تبدو عباراتها معبرة عن لب الإيمان وجوهره، وعن حقيقة الإسلام ومضمونه وهذا مسلك فريد اتسمت به الخطابة الإسلامية التي ازدهرت في ظلال الإسلام.

(1) د. بكري شيخ أمين - البلاغة العربية في ثوبها الجديد - الطبعة الرابعة - دار العلم للملايين - بيروت - 1995 - 1/15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت