فهرس الكتاب
إن جو الكلام منذ استهلاله يوحي بأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد وقف وقفة الوداع، فأراد أن يقرر حقيقة رحلة الإنسان من حياته الدنيا، بتقريره أنه - وإن كان رسولًا يوحى إليه - فهو لا يدري متى سيكون رحيله.
-فإني لا أدري -: أي حتى هو بوصفه نبيًا يوحى إليه - يجهل حقيقة هذا الأمر، ولعل مما يخالج نفوس المسلمين من أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يعلم بذلك، فلكي يستقر هذا المفهوم بكل أبعاده من غير أن يعتري السمع شك في ذلك جاء بصيغة التوكيد الذي من شأنه أن يرسخ الفكرة في الأذهان.
وربما يرد في هذا الموضع سؤال مفاده: أليس هذا يعني أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد أوحي إليه بدنو أجله؟.
نقول: ربما أوحي إليه بذلك، ولكن لم يرد أن يقطع بشيء من ذلك، فالله وحده الذي يقرر. والاستشعار بدون الأجل ليس معناه معرفة ساعة الرحيل على وجه الدقة والضبط، ثم أنه (صلى الله عليه وسلم) لم يشأ أن يجعل المسلمين في دوامة الاضطراب والقلق خشية أن ينفرط شملهم ويصيبهم من الذهول ما لا يرتضيه لهم.
ومن الملاحظ البلاغية في استخدام (( إن ) )في هذا الموضع أنها جاءت في عقب جملة سابقة فقد كان مجيء (( إن ) )ضربًا من ضروب التوثيق بين الجملتين.
قال الزملكاني: (( وتجيء - أي إنّ - لربط بين جملتين لتوصل أحداهما بالأخرى، فتراهما بعد دخولها كأنهما قد افرغا في قالب واحد ) ) (1) .
ويرى الزملكاني أنه يسع المتكلم أن يأتي بالفاء مكان (( إن ) )ولكن لا تؤدي مؤداها من قوة الربط والتوكيد والامتزاج.
يقول في ذلك: (( ... لرأيت الامتزاج والألف مقاصرًا عما كان عليه ) ) (2) .
ولعل في هذا جوابًا على تساؤلي في موضع سابق: ألم يكن منتظرًا أن يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) : (( اسمعوا قولي فلعلي لا ألقاكم ) )، ففي كلام الزملكاني ما يغني عن التفصيل والبيان.
(1) المصدر نفسه 143. .
(2) البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن - 156.