فهرس الكتاب
وأنظر الى تقدم الخبر (الجار والمجرور) على المبتدأ في قوله (صلى الله عليه وسلم) : (( ولكن لكم رؤوس أموالكم ) )فإنه إشعار إلى أن ما كان غير محذور يعود إلى أصحابه؛ فرؤوس الأموال حق مشروع من حقوقهم دون ما يتمخض عن الربا من أموال لا يباح لهم تملكها وحيازتها.ومن أجل أن لا يظنوا أنهم سيضيعون كل شيء بعث في نفوسهم الطمأنينة من خلال (لكم) وهو خبر مقدم، لو قال: ولكن رؤوس أموالكم لكم، فلربما ذهبت الظنون أنها هي الأخرى ستضيع، فالخبر هو الأهم في أن يذكر أولًا، فإن تقدمه باعث على الطمأنينة وراحة البال وفي بلاغة التقديم يقول القزويني:
(( إن تكون العناية بتقديمه والاعتناء بشأنه بكونه في نفسه نصب عينك، والتفات خاطرك إليه في التزايد.... أو لعارض يورثه ذلك، كما إذا توهمت إن مخاطبك ملتفت الخاطر إليه ينتظر أن تذكره، فيبرر في معرض أمر يتجدد في شأنه التقاضي ساعة فساعة، فمتى تجد له مجالًا للذكر صالحًا أوردته ) ) (1) .
( أيها الناس فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به بما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم) .
تبشير وتحذير:"أيها الناس.. إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم".
يخاطب الرسول الكريم المجتمعين معلنًا بشراه في يأس إبليس وجنوده من السيطرة على أتباع محمد ومحذرًا من ارتكاب الصغائر التي يحقرها الناس دون تأمل إلى ما تجلبه من الكبائر، مما ينحرف بالإنسان إلى طريق الشيطان. وفي أسلوب النداء"أيها الناس"إثارة وتهييج الوجدان، وجذب الانتباه لدى المخاطبين. وفي قوله:"هذه"تعبير باسم الإشارة للقريب، لتمييز هذه الأرض أتم تمييز وأكمله في مقام المدح.
(1) الإيضاح في علوم البلاغة 115.