ليكن المنهج التفكيري العميق ديدن الخطيب في اقتناص موضوعاته، وجمعها و رصها، واستخلاص المهم منها، ولا يهمل التفكير بدءًا، أو انتهاءً، وليلاحظ البعد التأثيري والنهائي لكل موضوع، فإن من الموضوعات مايسر للوهلة الأولى، لكنها تضر من حيث الخاتمة والعاقبة.
وهذه خصلة فكرية هامة يسميها البصراء (النظر في العواقب)
إذ كم من موضوع غيور حماسي، يفضي إلى ردة فعل مغايرة، وكم من غضبة لله ورسوله تفضى إلى ما لا يُحمد عقباه، بسبب سوء التوقيت أو فجاجة العبارات أو سوء التحضير أو تضخيم القضية، لذلك التفكير المتعمق هو رافد أساسي وحيوي في مسيرة الخطب المنبرية، ما ينبغي له أن يغفل عنها.
قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ) (75)
(وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) وقال (لهم قلوب لا يفقهون بها) الاعراف
فلابد لنا أن نتجاوز مرحلة التقليد والتلقين إ لى مرحلة التفكير والقناعة بمضامين الموضوع ومآلاته.
وينفع هذا النهج في إدراك أخطاء (الخطب السابقة) ، ومحاولة تصحيحها، وكشف اعوجاج نقلة الخطب من مكان إلى آخر، دون اعتبار وملاحظة، ومناسبة، وقد جاء عن علي رضي الله عنه، كما في صحيح البخاري معلقا (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله) ؟!
وقال ابن مسعود رضي الله عنه، كما في مقدمة صحيح مسلم
(ما أنت محدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة) !!
وإنما يستطيع الخطيب امتلاك ناصية التفكير المتعمق، إذا أعد للمنبر عدته، ومنحه الوقت اللائق به، من خلال الجمع والتدقيق، والتلخيص والكتابة.