ومهما حاولنا أن نستجلي جانبًا من الشعر الجاهلي بالدراسة والتحليل تبقى جوانب كثيرة فيه بحاجة إلى دراسة وإضاءةٍ دائمتين، لكون الشاعر الجاهلي موهوبًا مقتدرًا استطاع ببراعته أن يكونّ لنا صورًا كثيرة لحياة العرب وقتذاك، تلك الصور المتعددة أخذت جانبين، جانب الحياة من جهة، وجانب المنظور الفني من جهة ثانية، ولا يمكن لتلك الصور أن تنسلخ عن المدركات الحسية، وخاصة السمعية، لأن الشعر الجاهلي شعر مسموع، وهذا ما يسوّغ وجود صورة سمعية فيه قبل أن توجد الصورة البصرية التي تعتمد اللون، أو التركيب، أو الشكل أو الهيئة.
بَيْدَ أن الصورة السمعية إذا ما افتقرت إلى الجوانب الأخر، البصرية منها، فهي تحمل في تضاعيفها جوانب متعددة من طبيعة تركيب الجملة الشعرية مثل اللفظة، سواء أكانت اسمًا، أم فعلًا، فضلًا عن طبيعة الصوت المنطلق من الصورة سواءً أكان إنشادًا، أم دويًّا، أم تنغيمًا، أم صوتَ رعد، أم قعقعة سلاح، أم حركة حيوان مع ما يطلقه من أصوات.
ولهذا فإن الصورة الشعرية في العصر الجاهلي حسية، مستمدة من البيئة لمحاولة الشاعر استدعاء الحواس لاستيعاب الصورة التي تتفاعل معها نسب تلك الحواس، ومدى استدعاء حاسة السمع بالذات وأثرها في تشكيل الصورة.
وإذا ما تجاوزنا ذلك كله إلى الجانب الشكلي، فسنجد أن القصيدة العربية قبل الإسلام قد اعتمدت الجانب الإيقاعي فضلًا عن القافية والوزن والبحر، وذلك كله إلحاح على الجانب السمعي في إطاره الشكلي.
ولذلك يبقى العصر الجاهلي هو العصر الذي استأثر بالجانب السمعي للشعر وإنشاده، وانتقاله بين العرب.
إن حبّي للعصر، واهتمامي به نابع من عمقه وثرائه، ودراستي السابقة لظاهرة من ظواهره في مرحلة الماجستير (الغربة والحنين في الشعر العربي قبل الإسلام) ورغبتي في البحث عن جانب مهم جدًا من جوانبه الفنية المتعلق بالصورة السمعية، كان باعث اختياري للعصر أوّلًا، وللموضوع ثانيًا.