فهرس الكتاب
ويستمر الشعراء في تشكيل الصور السمعية عبر الأصوات المختلفة، وخاصة الحيوانات التي أولعوا بها، وذكروها في أشعارهم منها، الثور الوحش، الذي عنوا به عناية كبيرة، ورسموا كل حركة له، وذكروا كل ما يتعلق به، ولم ينصرفوا من الناقة إلى الثور الوحش تشبيهًا به لقوته حسب، وإنما ليجسدّوا صراع الحياة على وفق المنهج الذي اختطه الشعراء لأنفسهم من الفخر الذاتي"وقد جعلوا الصائد يخفق كل مرة في قنصه، وهم يفعلون ذلك ليبقوا شبيه راحلتهم عزيزًا قويًا ... وأحبوا له الغلبة والانتصار ..." [1] .
إن ما يهمنا هنا الصور السمعية التي وردت في لوحات الشعرية التي سرد الشعراء أحداثها في أسلوب القص، وتتعدد الصور للثور، فهو حين يرعى يجّرس مصوتًا:
مُجَرّسٍ وحِدٍ جَأْبٍ أطاعَ لَهُ ... نباتُ غيثٍ منَ الوسميّ مبكارِ [2]
وتتوالى الصور السمعية التي رسمها الشعراء لمبيت ثور الوحش في الظروف المناخية المختلفة، حيث الريح الباردة مع المطر الحاصب، تتربص به الكلاب، ويسمع صريرهن في الحندس [3] .
بينما نجد صورة الثور في مبيته كالحَدّاد الذي ينفخ الفحم، حيث يدفع الريح بصدره [4] ، في حين لم يتعد الدلالة السمعية الصريحة المتمثلة بالقول وهو يحدّث نفسه عند مبيته بالكثيب محتميًا من الدفقة الشديدة من المطر [5] .
وتتمثل لحظة الإحساس بالخطر لدى الثور عند سماعه النبأة من المُكَلَّب:
له كل يومٍ نَبأةٌ منْ مُكَلَّبٍ ... تُريه حياضَ الموتِ ثُمّتَ تُقْلِعُ [6]
وفي بعض الأحايين يتوهم الثور صيّادًا يهم به دون أن يراه، أو يرى شيئًا من ذلك:
(1) شعر الطرد عند العرب: 231.
(2) النابغة الذبياني: 151، 221، مجرّس: مصوّت، وَحِد: منفرد، جَأْب: جاف غليظ.
(3) بشر بن أبي خازم: ق 11/ 13/ 103.
(4) النابغة: 221.
(5) ديوان الأعشى: ق 52/ 32/ 279.
(6) بشر بن أبي خازم: ق 25/ 120، ق 16/ 83، النَبأة: صوت الكلاّب، المُكَلَّب: الصياد.