فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 68

أنا فتاة من هذا الوطن، أبلغ العشرين من عمري، وأعمل معلمة في مدرسة قريتي الوحيدة، وقريتي مرمية، مثل كثير من القرى، على أطراف البادية. تعلمت في دار المعلمين بإحدى المدن الكبرى، وأقمت في القسم الداخلي. كان التحاقي لمتابعة تعليمي بعد شهادة الكفاءة أشبه بمعجزة لن أخوض في تفصيلاتها. عرفت في هذه السنوات القليلة عن الحياة والمجتمع والناس ما يحتاج إلى قرون لمعرفته لو بقيت في القرية. والدي ووالدتي على قيد الحياة. لي أخت متزوجة وإخوة صغار أكبرهم في العاشرة. وكنت انتظر الغد، وأنا مسكونة بالآمال والأحلام وبما نفثته الكتبُ في أعماق روحي.

وتشاء الأقدار أن توقع والدي في «شباك الخطيئة» مع فتاة في القرية، الله وحده يعلم أين كان يلتقيها، وأين حصل الذي حصل، وقريتنا مبسوطة كالكفّ في وجه السماء. وفاتح والدي والدتي بالأمر، وأخبرها أنه عازم على خطبة الفتاة، درءًا للفضيحة، من أهلها الذين لا يعلمون عن الأمر شيئًا. وهم قوم قساة، غلاظ، لا يحلّون مشكلاتهم، غالبًا، إلاّ بالدّم. ولم تجد والدتي ملاذًا سوى الرضوخ وتسليم أمرها لصاحب الأمر، الذي لا يرد له أمر. ولاذت بأحضاني تشكو بدموع لم تجد سبيلًا إليها في حضن آخر.

وتقدّم والدي إلى أصحاب الشأن طالبًا التشرّف بالقرب منهم، بمصاهرتهم وفق ما يقتضيه الشرع. فوافقوا دون تردد، بشرط وحيد بسيط: أن يوافق والدي على تزويجي أنا من أخ للفتاة. وهو شاب متزوج، له أولاد، أُمّي، سكّير، عاطل عن العمل، لا يمكن أن يخطر في بالي أن يُغلق عليّ وعليه باب.

هنا وقعت أنا في الشرك. كنت أشفق على أمي، وأرثي لحال أبي، فصرت أشفق على نفسي وأرثي لحالي. كنت أبكي لمصيرها، فصرت أبكي لمصيري. لم أجد من حولي من أعوّل عليه في حلّ مشكلتي، فهداني تفكيري، أخيرًا، إليك، وأنت القادر على مد يد العون لانتشالي مما أنا فيه، لهذا جئت أحمل قلقي وعطشي إلى جواب، إلى أية إشارة ترشدني.

أأرضى بهذا الإنسان، وبما ضُمّ عليه من خلائق، فأقتل نفسي في الحياة، وأقتل أمي مرتين مرّة من أجلها ومرّة من أجلي، أم ارفض فتكبر الفضيحة، فأقتل أبي وشريكته؟!

أأهرب وأدع أبي يواجه مصيره وحده، أم أتقدم وأصرخ فيهم: خذوني.. هاأنذا «الضحية» فاذبحوني؟!

أي الموتين أختار؟ أوليس من حلّ يجنبّني أحد الموتين؟!

سيدي..! أنا في انتظار كلمة منك تهديني سواء السبيل.. تضيء، ولو شمعة في ظلام أوقاتي، أمامي أيام معدودات لأختار، فلا تدع رسالتي تنتظر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت