فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 68

القهوة: ممنوع

الانفعال: ممنوع

السهر: ممنوع

القراءة: ممنوع

وهمس في أذنه، على الرغم من عدم وجود أحد في العيادة، بكلمة، ثم رفع صوته متابعًا:

....ممنوع ذلك!

وكتب له قائمة طويلة.. طويلة.. بما يجب، وبما لايجب، وقائمة أطول بالأدوية، التي عليه أن يتناولها في مواعيدها وإلاّ.. فقد أعذر من أنذر.

وابتسم الطبيب ابتسامة مصنوعة بدبلوماسية إعلانًا عن انتهاء الزيارة. فما كان من المريض إلاّ أن أخرج (الكشفية) المعلنة على الباب، ودسّها في يد الطبيب الناعمة كالحرير. وخرج يبحث عن نسمة هواء في هذا الجو الرصاصيّ الثقيل، وعن مسرّات جديدة في رحاب الموت القادم!

ولمَ لا!

انفجر الخبر في الحي كالقنبلة: السيدة عفت تزوّجت رجلًا يكبرها بسبع سنوات! كان هذا الخبر آخر ما يمكن أن يصدّق؛ فالسيدة عفت في الخامسة والسبعين من عمرها. وقد أحيلت على التقاعد من أكثر من عشر سنوات. ومضى على رحيل زوجها أكثر من ثلاثين عامًا. وكبر أولادها، وتزوجوا، وانفضّوا من حولها بعد أن رفضت أية زوجة السكنى معها، فعاشت السنوات الأخيرة وحيدة. وأقنعت نفسها ألا تنتظر زيارة أحد من أولادها إلا في الأعياد والمناسبات.

وفوجئت السيدة عفت، في عصر اليوم الثالث لزواجها بسرب من نساء الحي يطرقن عليها الباب للمباركة، تعرف اثنتين أو ثلاثًا منهن فحسب. فترحب بهن، وتدعوهن إلى صالة الضيوف، ويدخلن متدافعات، وهن يخفين ضحكات تكاد تنفلت في الممر الضيق. وتغيب السيدة عفت دقائق، وتعود إليهن بثوب بنفسجي فيه عروق أزهار كبيرة، متعددة الألوان، وقد زينت شعرها بربطة صفراء، وانتعلت خفًا أبيض كجلد الأرانب. وجلست في مواجهتهن، وهي ترد على التهاني، التي انصبت على التوالي من أفواه متعجلة. ثم حلّ الصمت، وكبر حجم الحرج. مما دفع السيدة عفت، التي كانت تستعرض وجوه المهنئات، إلى تجاوز ذاتها، لتتجاوز هذا الصمت وذاك الحرج، فانبثق في عينيها شيء من التصميم، وعلى شفتيها ابتسامة لا مبالية، وارتفع صوتها، وأخذت تتحدث بلهجة واثقة وعاتبة مؤنبة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت