فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 68

ـ أنتن مثل بناتي، فلا تؤاخذنني إذا كنت صريحة. أنا أعلم أن هذه الزيارة ليست للتهنئة، أو ليست كلها للتهنئة. الفضول هو ما دفعكن للحضور؛ لترين هذه العروس، التي كان الأولى بها أن تهيئ كفنها استعدادًا للموت القادم، أليس كذلك؟! لقد فعلت ذلك زمنًا طويلًا، لكنه لم يأت. كنت أقضي الأيام والليالي دون أن أتحدث إلى أحد. فوجئت ذات يوم أنني أكلم نفسي. عندها خفت وقلت: يا بنت لا تلومي أحدًا كل واحد عنده هم يكفيه، الله يسامح الجميع. يا بنت أخرجي أحسن لك، وإلا أصبحت قريبة إلى الجنون. صرت أتردد إلى الحديقة العامة في الحي المجاور. وكنت أجد فيها ما يسلي. ولا يخلو يوم من حديث مع شخص ألتقيه. وصادفته هناك، وتكرر اللقاء، ومع التكرار كنا نتبادل تحية الصباح أو المساء. وأصبح جزءًا من الحديقة. ولم أعجب من القلق الذي ينتابني إذا لم يحضر. وجمعنا ذات يوم مقعد واحد، فلم نعد نفترق. وعلمت منه أن حاله مثل حالي، وحيد في مدينة كبيرة، يأرق طويلًا في الليالي الطويلة؛ ولا يجد من يناوله حبة دواء، أو كأس ماء إذا كان مريضًا. وشيئًا فشيئًا عرفت عنه كل شيء، أصبح بيننا أشخاص وأمكنة، بل وذكريات مشتركة. وذات يوم وكأننا على موعد انبثقت رغبتنا أن نكون معًا، ولم نفعل سوى تلبية هذه الرغبة، فهل في هذا ما يعيب؟!

ذات ليلة فكرت طويلًا في الأمر: لدي شقة ولديه شقة، نؤجر شقته لنستعين بأجرتها على حياتنا مع هذا الغلاء، ويأتي ليسكن معي. ما أطبخه لي وحدي يكفينا نحن الاثنين. بدلًا من أن يشتري من السوق ما يحتاج إليه وحده، يشتري لنا نحن الاثنين، فأرتاح من الذهاب والإياب للبحث عما أحتاج إليه. بدلًا من أن أشرب قهوة الصباح والعصر على الشرفة وحدي صامتة، فإننا نشربها معًا ونحن نتحدث. بدلًا من أن أنام في السرير العريض البارد وحدي فإني سأجد أنفاسه تدفئني. إذا خفت في الليل وأنا أسمع صوتًا هنا أو هناك وجدته بجانبي. إذا أرقت في الليل وجدت من أتحدث إليه قربي. وإذا جاء الموت يطلبني لم أكن وحدي!.

وبعد هذا وذاك أنا بشر من لحم ودم و... يكفي أن تكون في البيت رائحة رجل! وأنا قد اعتدته فلم لا نكون معًا في النهار والليل؟ أحرام أن تكون المرأة مستورة في آخر حياتها، وتجد من يواريها التراب إذا جاء صاحب الأمانة يطلب أمانته؟!

فكرت في هذا وفي أشياء أخرى. وقلت: يا بنت، وافقي! وهذا ما كان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت