فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 68

أما ازدهار، الصبية الرقيقة الرائعة، ذات العشرين فصلًا من الورد، المستحمة في نهر الشعر المقدس، فقد كانت على موعد مع البحر في شهر العسل الموعود. كانت تسابق « البولمان» الطائر نحو الساحل، لتغسل عينيها وروحها بزرقة البحر اللانهائية. وكانت يدها الصغيرة تنام مطمئنة في يدي «جلال» وكأنه كان يخاف أن يفلتها، فتفرّ منه بلا رجعة. وسمع ركاب « البولمان» الخمسون جميعًا العجوز وهي تتوسل إلى السائق: « ارحمنا يابني... على مهلك» . وكأنما استفزته هذه الكلمات، فاستفزت في داخله شهوة السرعة الطاغية، فضغط دوّاسة البنزين، وطار « البولمان» لا يلوي على شيء وطارت قلوب الركاب الخمسين.

حين وقع الحادث، ودخل «البولمان» في الشاحنة التي خرجت فجأة من طريق جانبي، لم يعد أحد من الركاب الخمسين يتذكر الذي حدث بالضبط. لم تتطابق شهادة مع شهادة أخرى من شهادات هؤلاء الذين قدّر لهم أن يبقوا على قيد الحياة.

طارت روح ازدهار، وحلقت بعيدًا فوق الزرقة الأبدية وما تزال يدها الصغيرة التي بردت في يدي جلال، الذي دخل في غيبوبة، لم يصح منها حتى إعداد هذه السطور.

رحلت ازدهار ورحل معها الزهر والشعر والحبُّ والأحلام، إذ كانت على موعدٍ آخر، دون أن تدري، مع الموت.

هاأنذا، والعام يوشك على الرحيل، أجيئكم راجيًا أن تقودوا سياراتكم على ريث، على نبض قلوبكم، ولا تتعجلوا الوصول، حتى لا تضيع، تحت عجلاتكم، طفلة كعبير، أو عروس كازدهار، أو عصفور صغير، وحتى لا يُكتب عليكم أنكم أصبحتم في قائمة الذين أطفؤوا حياة بريئة.

أرجوكم ألا تنسوا كلماتي، حتى لا تضيع في زحمة الكلام الذي تسمعونه أو تقرؤونه، وتبتلعها مشواغل الحياة التي لا تنتهي. اقرؤوها إذا استطعتم، على هؤلاء الذين لا يقرؤون، فلعلكم تساهمون في حفظ حياة إنسان واحد فحسب... وكل عام وأنتم بخير‍‍‍!

ومع ذلك..!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت