فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 68

من يومها، تأخذني الحيطة والحذر، فأتخيل في طريقي، وفي كل منعطف، رفًا من العصافير، يهمّ بالطيران نحو الفضاء الأزرق، وأبقى في يقظة حتى لا تداهم سيارتي عصفورًا قصّرت به همته عن اللحاق بأترابه.

ستقولون لي: تكتب عن عصفور صغير نفق بغير قصد، وتنسى آلاف الأطفال يموتون جوعًا ومرضًا وبردًا وصبرًا، وتنسى دماء الضحايا تسيل هنا وهناك في المجازر والأوبئة والأحقاد؟ أقول لكم: لا.. لا أنسى، ولكنه الشجى يبعث الشجى، وطعم الموت واحد في كل الأحوال..

لقد كان الشاب، ذو النعمة والجاه، على عجل من أمره. وكان لا يريد أن يفوته الموعد الأخضر مع فتاته على باب الحديقة في الحي الراقي، فترك العنان لسيارته الحمراء الأنيقة تنهب ما تبقى له من شوارع تفصله عن مكان اللقاء. لم يكن آبهًا بالمارين يهربون كالفئران من أمام سيارته الأنيقة، ولا سلاح لديهم سوى خطواتهم المذعورة، وبعض الشتائم التي لاتصل إلى أبعد من أفواههم. ولم يكن عابئًا بإشارات المرور الحمراء، ولا بصفارات الشرطة الغاضبة.

ومن أحد الأزقّة الفرعية خرجت عبير الصغيرة ذات الأعوام الأربعة، راكضة. لم تكن تريد اجتياز الشارع العريض، لكنها أرادت أن تتوقف على طرفه تنادى أباها الذي يجتازه بهمة.

كانت تريده أن يعود إليها، لتهمس في أذنه ألا ينسى هدية عيد ميلادها إذا عاد هذا المساء. لا تذكر عبير هل نادت: با...با، أو أنها كانت ما تزال تحاول إحاطة فمها الصغير بكفيّها الصغيرين ليكون صوتها مسموعًا؟ فالسيارة الحمراء الأنيقة، ذات الشاب المستفزّ إلى موعده الأخضر، طرحتها بعيدًا على الرصيف، وخيط رفيع من دم يسيل من أنفها الصغير.

لم يتأخر الشاب المستفزّ إلى موعده عن فتاته ولم يقدّر له أن يرى عبير الصغيرة ملقاة على رصيف الشارع، أو يقرأ ملامح والدها المذعور، وهو يلقي بنفسه عليها. ولعله لم يدر، حتى اليوم، أن عبير الصغيرة، التي كادت أن تؤخره عن موعده، قد غدت مشلولة، قعيدة البيت، ولم يعد فيها سوى عينين برّاقتين تنظران، ولسان ضعيف يتردد، وساقين ماتت فيهما الحركة، ويدين تلوحان بما تريد.

وما يزال البحث جاريًا عن سيارة حمراء أنيقة شاردة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت