فهرس الكتاب
لم يبق إلا خطوات معدودات، ويتفجّر الدم القاني من اللحم الطري المعطّر. لم يبق إلا لحظات، وتغوص الأظفار المسنونات الزرق في الجسد الحار، وتمزق الأنياب الخلايا والأنسجة. لم يبق إلا خفقات قلب، وتصبحين كومة عظام تذروها رياح العدم!
ومع ذلك .. لم يبق إلا أن تستيقظ فيكِ الحاراتُ الموحلة وتفتح الطفلة، الشقيّة البريئة، ذات الجديلتين، عينيها الرائعتين، وهي تصنع ألعابها بيديها، وتخيط للعبتها الحلوة ثوب الزفاف!
لم يبق إلا أن تتذكري ذلك الكتاب الذي نسيتِ عنوانه، ولم تنسي تلك الفتاة، التي ألقت بنفسها إلى الهاويات السفلى، حتى لا يأخذها الأعداء سبيّة!
لم يبق إلا أن تستعيدي رائحة الشهيد الراحل، الذي لم يكن له خيار آخر غير الموت غيرة على الأرض والشجر والبحر والسماء والأهل والأصحاب. غاب، ولم ينس أن يغرس في أحشائك بذرة نمت، وخرجت للشمس والهواء!
لم يبق ـ أيتها المضبوعة ـ إلا أن يرتطم رأسك الصغير الجميل بصخرة المغارة، ليتفجّر دمك الحيّ، فتفيقي من خدركِ، وتصحي على نفسك عارية في البرية، وتلملمي بقاياك، وتستري عريك بما وصلتْ إليه يداك من أوراق وأزهار وأشواك وتعودي من حيث أتيت! فهل تفعلين؟!
اربطوا الأحزمة... رجاء
سأعترف أني قتلتُ، أنا الذي لم أؤذ، في حياتي، نملة على عمد. أنا الذي ما كنت أتصور أني قادر على قتل ذبابة.
كنت يومها أنهب الطريق في اتجاه السويداء، لألتقي الربيع المبكر الذي طال انتظاري لقدومه، بفرح اختزنته مع كل مطرة من أمطار الشتاء الراحل. كنت أطوي الطريق لألتقي أزهار شقائق النعمان وقد طرّزها آذار حمراء، بيضاء، بنفسجية. وأعديت أطفالي بلهفتي فصاروا هم أيضًا يتلهفون، ويرجون أن يُطوى الطريق في غمضة عين. فجأة... فوجئت برف عصافير ينفلت من أمام السيارة باحثاُ عن النجاة في هبّة واحدة. لكن عصفورًا واحدًا قصّرت به همتّه عن اللحاق بأترابه، فضرب بزجاج السيارة، وتهاوى غير بعيد على إسفلت الشارع. وصرّت المكابح بضغطة مفاجئة قوّية توقفت السيارة على أثرها. عدوتُ إليه وحملته. كان خيط دم رفيع، لا يكاد يُرى، ينسرب من منقاره الصغير. فتح عينيه، ونظر إليّ في عتب، ثم أغمضهما إلى الأبد.
يومها لم تمض الرحلة كما كانت رحلاتنا تمضي. بقي شبح العصفور الهامد، وهو ينتقل من يد ليد، يخيّم على حركاتنا، وكلماتنا وحتى على ألوان شقائق النعمان التي زهدنا في قطفها.