فهرس الكتاب
وحين وجد سعيد محفظة ملأى بالنقود، من عملة محلية ودولارات وفرنكات وجنيهات، لم يعرف عددها حتى اليوم، شعر بالانزعاج، فقد فكر بحال صاحبها في هذه اللحظة. ولم يجد فيها ما يشير إليه. ما وجده أرقام هواتف دون أسماء فحسب. وسرعان ما أخذ يجرّبها حتى لاح له بصيص قاده إلى صاحب المحفظة، الذي حضر واستلمها كاملة غير منقوصة. ومن لهفته، ومن فرحته، ومن دهشته، التي لم يستطع أن يداريها، نسي أن يشكر سعيدًا على عمله. وبقي سعيد يراقبه وهو ينصرف، ويغالب دمعة لا يدري دمعة فرح هي أم دمعة حزن، وهو يفكر في أحد يقرضه مبلغًا بسيطًا حتى آخر الشهر!
وحين قابلت أريج الطبيب الغني القادم من أمريكا، الذي تقدم لخطبتها، في مكان عام، كانت قد توصلت إلى قرار رفضه، بعد استشارة ابنتيها الصغيرتين، ولما أبلغته قرارها، لم يفاجأ، وابتسم. ومد يده إلى جيبه وأخرج مظروفًا محشوًا بالدولارات الخضراء، وقال لها وهو يحاول وضعه في يدها:
ـ أترك لك هذا ليساعدك في تربية ابنتيك، أنا أعرف وضعك الحقيقي. فما كان منها إلا أن انتفضت مذعورة، ودفعت المظروف عنها، وكأنه أفعى، وقامت لتنصرف وهي تقول:
ـ أشكرك! أنا لست في حاجة!
وكانت تحدث نفسها: «لن أسامح نفسي لو أخذته» وحين تستعيد هذا الموقف تكاد الدموع تطفر من عينيها امتنانًا، وتهتف أعماقها: «الحمدلله» .
وحين أبلغوا الكاتب المسرحي المعروف عزمهم على تغيير بعض العبارات في مسرحيته، لقاء «شيك» مفتوح يضع فيه الرقم الذي يريد، تناول «الشيك» الممدود من اليد الواثقة ومزقه وتناول مخطوطته، وانصرف. وعلى مسمع من العينين الضيقتين المفتوحتين على آخرهما بصق.
وحين لفت ساقًا على ساق، وأصبح جمالها الخارق بين يديه، وسكبت نظراتها الحارقة في دمه، وهي تقول له:
ـ من أجل خاطري مشيها، المعاملة!
وكأنها تقول له: هيت لك!
ترك المدير مكتبه، وفتح الباب، وخرج. ولم يعد حتى تأكد أن هذه «البلوى» قد انصرفت!
وحين نقلوا إلى الدكتور أمين الرغبة في أن يحتل المنصب الكبير، اعتذر بلطف شديد: هذا الكرسي أكبر مني، وثمنه غالٍ، وليس في استطاعتي أداء أقساطه!
وحين خُيّر عليّ بين القصور أو القبور، فقد اختار الـ...
وحين... وحين.. وحين.. وحين..
ألم أقل لك يا صديقي إن الدنيا ما تزال بألف خير؟ وإنني أستطيع أن أروي لك حتى مطلع الفجر؟!
هذه الزلزلة