فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 68

الشاعر الكبير، الذي احتفل أمس بعيد ميلاده الخامس والستين، تؤرقه مشكلة منذ وقت غير قصير. إنه يجلس إلى طاولته في غرفته الصومعة، يستفزه بياض الورق إلى الكتابة، فيخط خطوطًا قلقة هنا وهناك. ويستعصي عليه ما يريد أن يقوله حقًا، وهو الذي لم يستعص عليه أمر يود كتابته في يوم من الأيام.

أكثر من أربعين عامًا طوالًا تفيأ الشاعر الكبير ظل الكلمات منذ بدايات الخمسينيات، كانت تتراءى له، على قرب، مدينة فاضلة، مدينة سياجها العدل، وفي قلبها توزّع الثروات على الجميع. ويجد مواطنها، فيها سقفًا وطعامًا وأمنًا. كانت قريبة، بل في متناول أحلامه، وما عليه إلاّ أن يهزّ شجرتها، بكلماته الكبيرة، المحبة، الصادقة حتى تتساقط ثمرًا شهيًا. كان يشيد بناءها حجرًا فحجرًا، بمواجد روحه، وغنى أفكاره، وتألق صوره، فتصل كلماته إلى قلوب الناس، وتهزّ أعماق الجماهير.

كتب عن الفقراء، البائسين، المشردين، الحالمين برغيف الخبز والحب. كتب عن الوطن وعبق ترابه، وعن ضريبة الدم يدفعها العشاق في سبيله عن طيب خاطر. كتب عن الغزو الخارجي والنزف الداخلي. كتب عن فلسطين الجرح الفاغر فاه في خاصرة الوطن. كتب عن حلم الوحدة. كتب عن الجماهير صانعة المعجزات في كل مكان.

أغلق عليه السجن مرات، وتشرد خارج الحدود سنوات لم يكلّ ولم يملّ. بقيت الشعلة تتأجج فيه سنين طويلة. لم ينس مع ذلك، أن يكتب عن الحب بكل ألوانه، وعن الطبيعة في شتى تجلياتها. وشيئًا فشيئًا اتسعت رؤيته، وتعمقت تجربته، فانساب قلمه لينًا يتشبث بمدينته التي أحبها، حاراتها، روائحها، بيوتها، شخصياتها، مواقف ضُمت عليها. وداعب هذا القلم: الأمل المطلّ من وراء اليأس، وألم الشعارات التي تغنى بها يومًا ورآها تستنفد أغراضها، والحلم المتشبث بنسغ الحياة تحت كوابيس الحياة اليومية اللاهثة.

لم يكلّ ولم يملّ ولم يسقط القلم من يده...

فما الذي يجري، اليوم، داخل الشاعر الكبير؟ وما الذي يجعله يتردد في الكتابة، ويخط عبارات لا تستقيم؟ وعم يحاول أن يكتب؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت