فهرس الكتاب
بدا له، وكأن الأمر قد حدث فجأة، أنه أسرف في النظر خارج ذاته، وأنه أسرف في رفع صوته، وأن القادة السياسيين الذين آمن بهم، وشحن نفسه بأفكارهم ووعودهم، خدعوه، وأن الأدب ليس له الدور الذي كان يظن. فجأة يدرك الشاعر الكبير أنه أغرق نفسه فيما ليس جوهريًا في الحياة، أو أنه، بالأحرى، وهبه، أكثر مما يستحق، جهده وأعصابه ووقته، وأنه كان يجب أن يلتفت إلى جوانب أخرى. أدرك الآن، ربما بسبب السن واقتراب الرحيل، أن ما هو جوهري ينبثق، فجأة في كيانه، وأن الوقت يطارده وهو يحاول أن يكتب عنه، ليقول آخر كلماته التي لم يقلها بعد.
ما يشغل الشاعر الكبير الآن هو معجزة الحياة ذاتها، فعلى الرغم من الظلم، والقهر، والمجازر، والأوبئة، والموت، فهو ما يزال يعيش، وتجري في عروقه دماء الحياة، أليس هذا رائعًا؟
إنه ينظر، يسمع ، يحس، تستمر فيه الحياة. هذه الحياة التي يمكن أن تنطفئ في أية لحظة، ونتيجة أي خطأ، كأن يكفّ القلب، فجأة ولأمر ما، عن خفقانه. هذه الحياة، التي كان يمكن أن يهبها عن طيب خاطر فيما مضى، تبدو رائعة وجديرة أن تعاش. إنه ينام، يحلم، يستيقظ، يشمّ، يأكل، يحب، يفكر، يتخيل، أليست هذه الحياة، في ذاتها، معجزة؟ أليست جديرة بأن يكتب عنها؟
ومعجزة الحياة في الطبيعة والكون؟
هذه الأرض التي يعتريها الموات، فيجردها من كل حياة في ظاهر الأمر، فتخفي في أعماقها حياة جديدة، تحتضن في رحمها العشب والزهر والثمر شهورًا في انتظار أن تتفجّر في اللحظة الآتية ألوانًا وروائح وأشكالًا وطعومًا لاحد لجمالها وروعتها. وهذه البحار المدوّية وما تنطوي عليه، هذه الصحارى الشاسعة، هذه الكواكب والأفلاك، هذا الفراغ الهائل، هذه الحركة السرّية في الأنساغ وفي خلايا كل شيء، هذه الأحاسيس التي تتفلتُ، فلا يُقبض عليها.
مما لاشك فيه أنه كان قد أغفل أشياء كثيرة، وهاهو ذا يقف على حافة هاوية سحيقة، تنادي أعماقه، تشدّها نحو لجج من الأحاسيس لم يعرفها من قبلُ أو لم يولها الاهتمام الذي تستحقه، وتجعله يترنحّ تحت وطأة دُواركوني.