فهرس الكتاب
هل أصابته لعنة عصيّة على الفهم؟ هل هي دورة الحياة الطبيعية؟ هل هو الاستثناء من بين آلاف البشر؟ مهما يكن من أمر فإنه لن يعود كما كان. لن يجد، بعد الآن، في جوانحه ثقته المعهودة، ولن يعرف قلمه، بعد اليوم، لغته المطمئنة. إنه يقف على حافات الكلمات، لا يدري ما يختار منها، لتعبّر عن هذه الزلزلة. ما ستكون النتيجة؟ أإلى هذا الحد تستعصي عليه الكلمات لتبوح بهذه الأفكار والمشاعر التي لا تحدّ؟
لايهم، يكفيه أنه، الآن، يقوم بآخر مغامرة له قبل فوات الأوان، وليكن ما يكون!
وهاهو ذا، وقد نامت زوجته وولداه، وحيد مع الليل يجلس إلى مكتبه، وأمامه ورق أبيض يستفزه، وبيده القلم يرتعش بانفعالات وعوالم لا يتسع لها الكون!
فنجان قهوة
بالأمس التقيت صديقًا من إحدى المحافظات الشمالية، لم أره منذ سنوات، في الحي الجديد من العاصمة، وكنت خارجًا من إحدى الأمسيات الأدبية التي لم يزد الحاضرون فيها على ثلاثين شخصًا. فدعوته متحمسًا بعد السلام، إن كان لديه بعض الوقت، إلى فنجان قهوة في مكان قريب. أسعدني قبوله، إذ ستكون فرصة نتبادل فيها بعض الحديث الذي انقطع فترة بيننا. ولم أكن قد دخلت هذا المكان الأنيق الواسع الملحق بالفندق، والذي جعل بترتيبه وكراسيه و «أراكيله» مقهى ومطعمًا «شعبيًا» . لذا فوجئت، قبل أن يستقر بنا المقام، بنادل يبادرنا بعلبة صغيرة من المناديل التي أغرقت السوق بعشرات وعشرات من الأسماء، وبزجاجة ماء «بقين» مبردة، لم نطلبها، ولن نكون في حاجة إليهما في جلستنا القصيرة. ثم حضرت القهوة فعطرت حديثنا الذي سرعان ما استعاد ألفته وكأننا لم نفترق. وأخبرني أنه جاء يلاحق موضوع استقالته من العمل بعد خدمة ثلاثين سنة، وأن رجليه «تكسرتا» وقدميه تورّمتا من كثرة المشي من هنا إلى هناك، وصعود الدرج مرات ومرات في الدائرة الواحدة، وهو في سبيل البحث عن عمل في إحدى المصالح الخاصة لأن مرتبه، بعد هذه الخدمة، لن يزيد على ثلاثة آلاف ليرة، وفي أحسن الأحوال أربعة آلاف، وكيف يستطيع مع هذا الغلاء أن «يدبّر» الأمر وقد كبر الأولاد وزاد مصروفهم..