فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 68

وكان الطفل الصغير فيّ، في الصباحات البعيدة، يسوق، بقضيب رمان طريّ رفيع، قطيع الماعز، من الحارات العتيقة ذات البيوت الطينية المتواضعة، والتي تحتوي في داخلها على ما يدهش. يقوده عبر الدروب الترابية الطويلة إلى الحقول والمراعي، تمامًا حيث سيتربع، بعد سنوات معدودات، «مخيم اليرموك» ليبني أسماره، ويساور أحزانه، وينتظر دروب الرجوع إلى القرى والمدن الغافية هناك. وسيرفع جدران بيوته القصيرة، ذات الأبواب التنكية أو الخشبية، والنوافذ الضيّقة الواطئة، ويشق شوارعه وأزقته الموحلة في الشتاء، المثيرة للغبار في الصيف، ويطلق أطفاله فيها بلا قيود. وحين يمضّه الانتظار ينتفض غابات إسمنتية شيطانية، وشوارع زفتية واسعة، وأزقة طويلة، ضيقة، رطبة، لا ترى وجه الشمس، ثم سيتمدد كارهًا أو راضيًا إلى «الحجر الأسود» و «التضامن» و «دف الشوك» و «التقدم» .

كنتُ وحيدًا مع القطيع، في أغلب الأحيان، إلاّ فسحًا قصيرة ألتقي فيها رعاة الماعز أو الغنم، وكلهم أكبر مني، بل لقد تجاوز بعضهم سن الشباب، وحين أغمض عينيّ الآن، ينبثق في وعيي صور حللها الزمن فتكاد لا تبين: أبو جاسم المعيدي، محمود الأشكي، محمد العودة، عزو الشربجي، أبو الموت، حدّو حوا الكهل وطفلته الصغيرة الجميلة بشيرة التي أفلتت مني ملامحها تمامًا، ولا بد أن أسنانها قد تساقطت وأصبحت جدّة إن كانت ما تزال من الأحياء.

وفي الأوقات التي يقيل فيه القطيع تحت الأشجار العالية، كنت أجلس على حافة ساقية معشوشبة، أو أستند إلى شجرة جوز أو مشمش وارفة الظلال، أتأمل هذه المخلوقات الوديعة، الجميلة، وهي تجترّ، وأحاول حوارًا صامتًا مع كل واحدة منها؛ إذ أسبغ عليها صفات إنسانية، وأطلق عليها اسمًا يميزها. وكان بصري يمتد إلى الآفاق البعيدة، في الخضرة الأرضية المتموجة، الحشائش والأوراق المهتزة المرتعشة، فيهتز قلبي ويرتعش بحنين غامض، أو في الزرقة السماوية والمنبسطة اللانهائية، أو في الظلال المتراقصة وهي تتشكل بأشكال عجيبة لا يمكن الإمساك بها، ويرحل خيالي بعيدًا... بعيدًا.

ولم أزل أذكر ذلك الحلم، الذي كان يردني، ولم يكن قد مضى على خروجنا من فلسطين أكثر من أشهر معدودات. ولقد اضطر معظمنا إلى العمل ، لأن العيش آنذاك، لم يترك لنا خيارًا آخر نأوي إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت