فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 68

في لحظات القيلولة تلك، ينفتح على بعد خطوات مني، في الخيال، سرداب عميق طويل، له باب دائري سحري، لا يراه أحد سواي، أرفعه، وأنزل على درج أو سلمّ، يوصلني إلى بداية السرداب. ولا أنسى إغلاق الباب السري خلفي، أو أنه كان يغلق تلقائيًا بعد نزولي.

وكان السرداب مُضاء بمصابيح كهربائية لا تطفئها الريح، ولا تسودُّ زجاجتها كقناديلنا الزيتية، ويمتدّ السرداب، أمشي فيه مسافات تحت الأرض، أتجول بحرية. وتصادفني على الجوانب غرف أو قاعات أو ملاعب، غرف ذات حُصرٍ وبسطٍ ساحرة الألوان، وفرش وثيرة، كنت أغرق في صوفها الناعم. أقفز عليها أنا وعبد السلام، ابن جارنا وصديق الطفولة هناك في القرية، ومن سمحتُ له بمرافقتنا من الأطفال في هذه الرحلة السحرية تحت الأرض. كنا نقفز ونتدحرج ونتصارع، ونحن في غاية من النشوة، لا يردّنا شيء عن لعبنا ولهونا. ونخرج إلى الملعب المضاء كذلك، فنعثر على مانشاء من كرات جميلة ذات ألوان خلاّبة، نأخذ منها بغير حساب، ونتابع لعبنا من الصباح حتى المساء. وإذا رجعنا وجدنا طعامًا لذيذًا، في اللحظة التي نريد، مهيأً في الصحون بطريقة سحرية، لا تحتاج إلى طبخ أو نفخ نار أو إشعال «بابور كاز» حرون يخنقنا بدخانه، ولا إلى تنظيف وغسيل وجلي، مما يتعب أميّ جلّ النهار وطرفًا من الليل. كان كل شيء حاضرًا أو يحضر للتو بمجرد الرغبة منّا.

كنت أحيانًا أصطحب أسرتي وبعضًا من أقاربي إلى هذا الملجأ السرّي، فأدخلهم، في خيالي، فينزلون بخفّة واحدًا وراء الآخر. وكنت لا أخفي، بيني وبين نفسي، الإحساس بأني أنا صاحب كل هذا.

وإذا احتاج الأمر إلى نقود لرحلتنا القصيرة في المدينة، وجدناها ذهبًا أو فضة، كما هي الحال في الحكاية التي تقص على مسامعنا. وإذا رغبنا في تسلية تحققت لنا وسائلها: ورق لعب غريب الأشكال والألوان، دحاحل كعيون القطط، عصيّ، مربعات، خذاريف، أراجيح. إحساس كامل بالأمان، تحت الأرض، بعيدًا عن دويّ الطائرات الصهيونية السوداء المغيرة، ولمعان قذائفها الخاطفة للأبصار، وأصواتها المتفجرة. بعيدًا عن طلقات مدافع دباباتهم، وأزيز رصاصهم، تلك الليلة التي لا تنسى. عالم من الأمان. لا أحد يطولنا، لا أعداء، لا ضباع، لا أفاعي، أمان دائم، بلا مرض أو موت في هذا الجو المسحور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت