فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 68

وكنت أغيب عن القطيع في هذا الحلم الجميل الذي لا ينتهي، واضطر أن أصحو منه حين يتوقف القطيع عن الاجترار، وتكون حدة الشمس قد انكسرت وحان وقت الأصيل، فأمضي به نحو بقعة خضراء، عشبها طري لذيذ، وأقوده في المساء نحو حارات الميدان العتيقة، وفي الخاطر خيالات من السرداب السحري.

وحين فتحت المدارس أبوابها أمامنا أصبحنا تلاميذ، نرتدي الصدارات السود، ونتهجّى الحروف والكلمات، ننشد الأناشيد، التي توقظ ما ليس نائمًا فينا تجلّلنا بالعزة والقوة والأمل بالعودة القريبة. ونقف في الصف الطويل، لنأخذ حصتنا من الحليب المجفف أو حب زيت السمك، ونتناول غداءنا المتقشف في المطعم الذي ارتجلوه لنا، وله، على الدوام، رائحة زنخة خاصة لا تغادر أنفي. ويطلّ عليّ من وراء السنين وجه أم صالح الحنون، بنقابها الأسود الذي لا يتغير، وقد علمت أنها ماتت قبل أكثر من ثلاثين عامًا، وجه أم فهمي المشرق الجميل الضاحك وصوتها المغرد، وقد أخبرني ابنها، الذي غدا، كهلًا، وكنت التقيه، أن أمه ماتت قبل عشر سنوات عن سبعة وستين عامًا، وجه امرأة أخرى بدينة بنقابها الأبيض كانت تلثغ بحرف الراء، وقد نسيت اسمها. وكنا نعالج، بوسائلنا المحدودة، ورم أصابع أيدينا وأقدامنا من شدة برد الصباح. ونرتجل ـ بدورنا ـ ألعابنا التي لا تكلفنا قرشًا واحدًا. كنا نصنع من الخرق كرة صغيرة أو كبيرة نتخاطفها بأيدينا أو نسوقها بأقدامنا أو نضربها بالعصا.

وحين تضمّني الأزقة العتيقة وحيدًا، أو يغرقني الفراش، بعد أن ينام أخي الأصغر، ويجافيني النوم، كنت أرى منظرًا عجبًا، ينفتح عليه خيالي. أرى نفسي في ساحة واسعة منبسطة. وفجأة تمطر السماء الزرقاء فوقي كراتٍ، ذات ألوان رائعة، لامعة، ساحرة الملمس، كرات من كل الأحجام والأشكال، كرات لا أستطيع لها عدًّا، تتقافز من أمامي وورائي ومن حولي. كرات تتبعها كرات، تبهرني، تغمر قلبي بفيض من البهجة لا ينتهي، فأقفز معها، أرتطم بالأرض بخفة، أرتفع بين هذا الحشد الهائل منها. أرتفع، أرتفع، لا أرجع مثلها إلى الأرض، فأطير، وأطير، وأبقى معلقًا بين السماء والأرض وقلبي ينتفض بشدة. أذكر أن أحدًا من أقربائي قدّم لي في طفولتي كرة جميلة ملونة كهذه الكرات، ما لبثت أن أضعتها، فنامت في مخيلتي طويلًا.. طويلًا حتى انهمرت عليّ من السماء طوفاناّ من الكرات السحرية العجيبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت