فهرس الكتاب
ولقد احتجنا إلى وقت حتى نغادر مثل هذه الأحلام، دون أن يغادرنا سحرها وإغراؤها، إلى أحلام جديدة، نلبس فيها ثوب البطولة، وطاقية الإخفاء، لنتسلّل إلى الوطن المحتّل، نعانق القرى والبيوت، ونحقّق انتصارات عجز عنها الكبار!.
وثمّ حلم ما يزال ماثلًا في مخيلتي. وهو حلم رأيته في النوم، وليس من أحلام اليقظة. رأيت نفسي أمام بيتنا القديم شرق القرية تمامًا في المكان، الذي كنّا نسمر فيه، في ليالي الربيع، أو الصيف، المقمرة، قرب اللوح الواسع لحصادة القمح، ذات الشفرات الحادة. لم يكن الوقت ليلًا بل نهاية الضحى على الأغلب؛ فالجو لم يكن ينبئ بالوقت.
كنتُ مستلقيًا على الأرض المعشبة، ورأسي على حجر أمي، وكانت تلبس ثوبها الأزرق، المنقط بالأبيض وتلفّ رأسها بنقابها الأبيض كالعادة. كان النور واضحًا في تدرّجاته، ولكن المشهد كلّه ملفّع بضباب شفيف، يوحي ببعده عنك، على الرغم من كونك داخلًا فيه، وبأنك غير قادر على الإمساك به، وكأنه مشهد وهمي.
كل تداعيات القرية وصورها وألوانها تكثّفت في الحلم، تقطّرت في إحساسي بالأشياء من حولي. كانت أميّ تداعب شعري بأصابعها الرقيقة، وقلبها الحاني. نظراتها غائمة، شاردة، دموعها تنساب على خديها، وتصدر آههٌ عميقة بين الحين والآخر. هزّتني دموعها، وحانت منيّ التفاتة إلى بيتنا، كان هيكلًا خربًا، اختفت أبوابه ونوافذه، وبقي مكانها فراغ معتم مثل سؤال غامضٍ معلّق في الفضاء.
وكانت عائشة الصغيرة، عائشة الطفولة، ذات الجديلتين، عينين تنظران دون أن ترى. هي في مكان ما، لا أستطيع أن أحدّده. ولكنها كانت هناك، دون ريب، تطلّ عليّ. تطلّ على المشهد من وراء الطفولة، من وراء شقائق النعمان والنرجس. تطلّ من وراء الموت؛ لأن عائشة احترفت الموت على دروب المخيمات، وذابت في ضباب الذكريات. مالذي بعثها في هذا الحلم؟!.
كل هذا المشهد قذف قلبي بفيضٍ من الحنين الموجع إلى المكان الذي أنا فيه، وكأني بعيد عنه مسافات شاسعة. حين إلى زمان الطفولة، وإلى أميّ، وإلى عائشة، وإلى البيت الواقع في فم الفضاء الوهمي. حنين أخذ بمجامع قلبي، وعصره بيدين صخريتين حتى بعد استيقاظي من النوم، حيث رحت في حالة غريبة، وكأن الحلم مستمرّ في اليقظة. بماذا كانت تفكر أمي؟ لم كانت ساهمة شاردة؟ إلام كانت تنظر عيناها؟ وما الذي يبكيها؟ وما السؤال الغامض المعلقّ على الفراغ المعتم لأبواب البيت ونوافذه؟.