فهرس الكتاب
كلمّا تذكرت هذا الحلم تكثف فيّ إحساس بأمكنة، وأزمنة، وأشخاص أحباء، وحوادث عمرها عمر منفانا، تتأرجح بين الحضور والغياب.
وحين امتد بنا الزمن وكبرنا، ولمستنا لعنة حزيران بشيء من الوعي الشقي، وأوغلنا في الغربة، حتى أصبحت أعماقنا مرتعًا لها، وأوغلت فينا المجازر وخيانات الذات، دخلتْ أحلامي مرحلة جديدة: كوابيس في الليل، كوابيس في النهار، يقودك الواقع إلى كابوس، ويخرجك الكابوس إلى الواقع.
وأخيرًا، أود البوح بالحلم الذي غدا وسواسًا لي، بعد مرور هذا الزمن الطويل، بعد الخيبات، والانكسارات، ما قد مضى منها، وما قد يجيء: أرى نفسي في حلم فردوسي أخضر، أشجار، حشائش، أزهار من كل الألوان، ترنيمات سماوية، فرح، فرح لاحدود له، يمنحني اليقين والرضا، يهمس لي، وأنا مطلّ، عبر هذا الحلم الفردوسي، على قريتي، فتشرب خلاياي الظمأى هذا الهمس المطمئن: أنتَ، من جديد، في فلسطين! وأغفو على هذا الحلم الكبير!
الراعي الصغير
في السابعة من عمري كنت أسوق قطيع الماعز من الحارات العتيقة في حي الميدان، كغيري من الرعاة، إلى الحقول والمراعي القريبة، من غوطة دمشق، في المناطق التي أصبحت، هذه الأيام، أحياء واسعة تدعى اليرموك، والحجر الأسود، والتضامن، والزاهرة، ودف الشوك، بعد أن قُطعت الأشجار، وأتلفت المزروعات، وبنيت، بدلًا منها بلا هوادة، غابات من الإسمنت المسلح.
كنت أعرف عن ظهر قلب هذه الأراضي الشاسعة، وأعرف أسماء حقولها، وكان في كل ناحية منها قناة ماء صافية، يقصدها بعض الصبية للسباحة، أذكر منها: المشرع، الحجر الأسود، العصرونية، الخنّاقة، قناة رانِس وغيرها، أرتادها في أوقات معينة من النهار. كنت أخرج في الصباح الباكر، ولا أعود إلا مع المساء، مع الرعاة الآخرين، بعد أن تكون هذه الحيوانات الأليفة قد أخذت حقها من العشب والماء، وأصوات الأجراس الشجية تخفق في أعناق الكباش وسط سحابة من الغبار، والروائح المميزة للقطعان.
كان القطيع نشيطًا في الصباح. ينتقل، بخفة ورشاقة، من مكان إلى آخر، بحثًا عن الحشائش الطرية فيقضمها في شهية. وأحرص كل الحرص ألا يقترب من المساحات المزروعة بالقمح أو الشعير أو البرسيم، وألايطول الشجيرات حتى لا أثير غضب النواطير وأصحاب الحقول.